تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
تعالى :
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ
يوجب إعطاءهم أموالهم قبل البلوغ ، فكان ذلك مشكلا ، وللعلماء فيه محملان : الأول : أن يجعل إيتاء الأموال مجازا عن تركها سالمة من غير أن يتعرّض لها بسوء ، فالإيتاء مستعمل في لازم معناه ، وتبقى كلمة
الْيَتامى
على حقيقتها ، كما هو المتبادر منها شرعا وعرفا . والمحمل الثاني : أن يكون الإيتاء مستعملا في حقيقته بمعنى الإعطاء بالفعل ، وتكون كلمة
الْيَتامى
مجازا باعتبار ما كان ، وأوثر التعبير عن الكبار باليتامى لقرب العهد بالصّغر ، وللإشارة إلى وجوب المسارعة والمبادرة بدفع أموالهم إليهم ، حتى كأنّ اسم اليتم باق غير زائل ، وهذا المعنى يسمى في الأصول بإشارة النص . ولكل من المحملين ما يؤيده : فحجة الأول : قوله تعالى بعد آيات
وَابْتَلُوا الْيَتامى
إلخ فإنه كالدليل على الآية الأولى في الحث على حفظ أموال اليتامى ، لتدفع إليهم عند بلوغهم ورشدهم ، وأنّ الآية الثانية في الحث على الدفع الحقيقي عند حصول البلوغ والرشد ، ولو كان الإيتاء في الآية الأولى باقيا على حقيقته لكان مؤدى الآيتين كالشئ الواحد . وحجة المحمل الثاني : ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه ، فخاصمه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . فنزلت
وَآتُوا الْيَتامى
إلخ فإن ذلك يدلّ على أن المراد بالإيتاء الإعطاء بالفعل ، ولا سيما أنه قد روى الثعلبي « 1 » والواحدي عن مقاتل والكلبي « 2 » أن العمّ لما سمعها قال : أطعنا اللّه ورسوله ، نعوذ باللّه من الحوب الكبير « 3 » .
وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ
تبدّل الشيء بالشيء ، واستبدله ، إذا أخذ الأوّل بدل الثاني ، بعد أن كان حاصلا له ، أو على شرف الحصول ، ويتعدّيان أبدا إلى الزائل بالباء ، وإلى بدله بأنفسهما كما هنا ، ومنه قوله تعالى :
وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ
[ البقرة : 108 ] وقوله :
أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
[ البقرة : 61 ] . وأما التبديل أو الإبدال فهو التغيير مطلقا ، وقد يتعدّى إلى مفعول واحد ،
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ
[ البقرة : 181 ] وإلى مفعولين بنفسه
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
[ الفرقان : 70 ]
هامش
( 1 ) أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أبو إسحاق المفسر توفي ( 427 ) من أهل نيسابور له اشتغال بالتاريخ ، انظر الأعلام للزركلي ( 1 / 212 ) . ( 2 ) محمد بن السائب بن بشر الكلبي توفي ( 146 ) نسابة ، عالم بالتفسير ، من أهل الكوفة ، انظر الأعلام للزركلي ( 6 / 133 ) . ( 3 ) معالم التنزيل للبغوي المعروف بتفسير البغوي ( 1 / 396 ) .