من سورة النساء
قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ( 1 )
قوله جلّ شأنه :
وَبَثَّ مِنْهُما
معناه : نشر ، وفرّق منهما على سبيل التناسل والتوالد . وقوله :
تَسائَلُونَ بِهِ
معناه : يسأل بعضكم بعضا به ، مثل : أسألك باللّه ، وأنشدك اللّه ، والمفاعلة على ظاهرها ، أو بمعنى تسألون كثيرا . الرقيب : الحفيظ المطلع العالم .
يأمر اللّه المكلّفين جميعا بامتثال ما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه ، مما يتعلّق بحقوقه ، وحقوق عباده ، ويتناول ذلك بعمومه ما سيذكر في السورة بعد من صلة الأرحام ، ورعاية حال الأيتام ؛ والعدل في النكاح والميراث ، إلى غير ذلك .
ولقد أكّد اللّه الأمر بالتقوى بما يحمل المخاطبين على الامتثال ، فذكر اسمه بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ، ووصف نفسه بأنه خالقهم ، وأنّ مبدأ خلقهم نفس واحدة ، وأنه خلق منها زوجها ، ونشر من الزوجين رجالا كثيرا ونساء ، كلّ ذلك بما يؤيد الأمر ، ويؤكّد إيجاب الامتثال ، فإنّ الاستعمال جار على أن الوصف الذي علّق به الحكم علة موجبة له ، وداعية إليه ، ولا شك أنّ ما ذكر يدلّ على القدرة القاهرة ، والنعمة الجسيمة ، والمنة العظيمة ، والقدرة توجب التقوى حذرا من العقاب ، والنعمة تدعو إليها طلبا للمزيد ، ووفاء بالشكر الواجب .
وفي الامتنان بخلقنا من نفس واحدة ما يوجب الحرص على امتثال الأوامر الآتية ، فإنه جلّ شأنه ذكر عقيب الأمر بالتقوى الأمر بالإحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء ، وكون الناس بأسرهم مخلوقين من نفس واحدة له أثر في هذا المعنى بليغ ، ذلك لأنّ الأقارب لا بد أن يكون بينهم نوع مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة ، ألا ترى أن الإنسان يفرح بمدح أقاربه وأسلافه ، ويحزن بذمهم والطعن فيهم ،
وقد قال عليه الصلاة والسلام : « إنما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها ، وينصبني ما أنصبها » « 1 »
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ( 5 / 656 ) ، كتاب المناقب ، باب فضل فاطمة حديث رقم ( 3869 ) .