تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
قال زوجها : يا رسول اللّه ! إني أعطيتها أفضل مالي حديقة ، فلترد عليّ حديقتي . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما تقولين ؟ » قالت : نعم ، وإن شاء زدته . قال : ففرّق بينهما . وقيل : إن هذه الآية نزلت في شأنهما . وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يجوز أخذ الفداء إلا إذا كان النشوز من قبلها . وذهب آخرون إلى أن الذي يبيح أخذ الفداء أن يكون خوف ألا يقيما حدود اللّه منهما جميعا ، لكراهة كلّ منهما صحبة الآخر ، والظاهر أنّ نشوزها كاف في جواز أخذ الفداء . فإن قيل : إنّ اللّه علّق ذلك على خوف ألا يقيما حدود اللّه . قيل : إنها إذا نشزت خيف أن يعاملها الرجل بقسوة ، فلا يقيم هو أيضا حدود اللّه . وقد ذهب أكثر الأئمة إلى أن الخلع جائز ، سواء كان في حالة الخوف أم في غير حالة الخوف ، وظاهر الآية يعضّد مذهب غير الجمهور . وحجة الجمهور قوله تعالى :
فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
[ النساء : 4 ] فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصّل لنفسها طلاقا ، فلأن يجوز ذلك لتملك أمر نفسها أولى . وللأولين أن يقولوا : إن هذه الآية محمولة على البذل في حال العشرة ، وأما البذل للطلاق فقد منعته الآية التي نحن بصددها إلا بشرط . والآية تدلّ على أن الخلع إنما هو فيما أعطى ، لا في أزيد منه ، لأنّ الآية في صدد الأخذ مما أعطى الرجال النساء . ثم قال :
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ
أي مما آتيتموهنّ ، وهو مذهب الشعبي ، والزهري ، والحسن البصري . وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز الخلع بأزيد مما أعطاها ، لأنّه عقد معاوضة يوجب ألا يتقيّد بمقدار معين . ولكن يعارض هذا أنه استباحها بما أعطاها من مهر ، فلو أخذ منها أزيد لكان إجحافا بها . وقد ذهب جماعة إلى أن الخلع فسخ لاطلاق ، لأنّ اللّه قال :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ
ثم ذكر الخلع ، ثم قال :
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ
فلو كان طلاقا لكان ذلك يدلّ على أن للرجل أربع تطليقات . ونحن نرى أنه لا حجة في هذا ، لأنّ اللّه قال :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ
ثم بيّن أنه لا يجوز أخذ مال على الطلاق إلا في الحال التي ذكرنا ، وسواء كان ذلك عند الطلقة الأولى أم الثانية أم الثالثة ؟