تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
أخرج ابن جرير « 1 » عن عبد اللّه في قوله :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
قال : يطلقها بعد ما تطهر ، من قبل جماع ، ثم يدعها حتى تطهر مرة أخرى ، ثم يطلقها إن شاء ثم إن أراد أن يراجعها راجعها ، ثم إن شاء طلقها ، وإلا تركها حتى تتمّ ثلاث حيض ، وتبين منه به . وعلى هذا يكون قد بيّن اللّه سنّة الطلاق في هذه الآية ، وبين أنّ من سنته تفريق الطلاق ومنع الاجتماع ، ولأنّه قال :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ
وهذا يقتضي أن يكون طلقتين مفرّقتين ، لأنّها إن كانتا مجتمعتين ، لم يكن مرتين . ويدل عليه أن الشارع قد طلب أن يسبّح المرء ويحمد ويكبر دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، ولا ينفعه إلا أن يفعل ذلك ثلاثا وثلاثين مرّة ، ولا يكفيه أن يقول : سبحان اللّه ويتبعها بلفظ ثلاثا وثلاثين ، وأنه إذا فعل ذلك يكون مسبحا مرة واحدة لا ثلاثا وثلاثين . وقد ثبت أن الآية دلت على طلب التفريق في إيقاع الطلاق ، فإذا خالف المطلّق وجمع الثلاث في لفظ واحد ، فقد اختلف العلماء في ذلك ، فقال بعضهم : إنه لا يقع إلّا واحدة ، قال الفخر الرازي : وهو الأقيس ، لأن النهي يدلّ على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة ، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود ، وهذا غير جائز ، فوجب أن يحكم بعدم الوقوع . وقالت الأئمة الأربعة وغيرهم : تقع الثلاثة إما مع الحرمة ، وإما مع الكراهة ، على حسب اختلافهم في ذلك . وقد استدلّ الأولون من السنة بما رواه أحمد ومسلم « 2 » من حديث طاوس عن ابن عباس قال : كان الطلاق على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبي بكر ، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم ، قالوا : وإمضاء الثلاث إبطال للرخصة الشرعية ؛ والرفق المشار إليه بقوله تعالى :
لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً
[ الطلاق : 1 ] . وللأئمة أحاديث أخرى ذكرت في كتب السنة ، واستقصاء الخلاف والأدلة في هذه المسألة يطلب من « نيل الأوطار » « 3 » « وإعلام الموقعين » « 4 » لابن القيم . ومنشأ الخلاف في الطلاق - ما ذكرناه وما لم نذكره - الاختلاف في أسباب النزول ؛ وفي الآية هل هي متعلقة بما قبلها ، أم مستقلة عنها ؟ ونحن نجمل ذلك
هامش
( 1 ) في تفسيره جامع البيان ، المشهور بتفسير الطبري ( 2 / 277 ) . ( 2 ) رواه أحمد في المسند ( 1 / 314 ) ومسلم في الصحيح كتاب الطلاق حديث رقم ( 1472 ) . ( 3 ) نيل الأوطار للإمام ابن القيم الجوزية ( 6 / 193 - 198 ) . ( 4 ) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم الجوزية ( 3 / 41 ) .