فنقول : إن اللّه قد عرّف الطلاق بال ، فذهب بعضهم إلى أن التعريف للعهد ، أي الطلاق المشروع مرتان ، فما جاء على غير هذا فليس بمشروع ، وهذا مروي عن الرافضة والحجاج بن أرطاة « 1 » ، وعلى هذا تكون الآية مستقلة عما قبلها .
وقال بعضهم : معناه أنّ الطلاق الذي فيه الرجعة مرتان ، فتكون الآية مرتبطة بما قبلها ، فاللّه لما ذكر أنّ بعولتهنّ أحقّ بردهنّ أراد أن يبيّن الطلاق الذي فيه الرجعة ، وقال بعضهم : معناه الطلاق المسنون مرتان ، وهذا مذهب مالك ، وقال بعضهم : معناه الطلاق الجائز مرتان ، وهذا مذهب أبي حنيفة .
والقول الأول يناسبه في سبب النزول ما روي عن عروة ، وبقية الأقوال يناسبها في سبب النزول ما روي عن عبد اللّه .
ونحن نرى أن الطلاق هدم للأسرة ، وتمزيق للمنزل ، وضرره يتعدى إلى الأولاد . فإنّ الأولاد في حضن أمهاتهم يكونون موضعا للرعاية وحسن التربية .
بخلاف ما إذا كانوا في حضن أجنبية عنهم ، والشريعة تنظر إليه هذا النظر . ويدل على هذا
قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق » « 2 »
والشريعة أجازته مع هذا الضرر لدفع ضرر أشد ، وتحصيل مصلحة أكثر . وهي التفريق بين متباغضين ليس من المصلحة الجمع بينهما ، وقد أراد الشارع ألا يفرّق بالطّلاق بين متحابين ؛ من الخير أن يجتمعا ، وألا يفرق به إلا بين متباغضين ؛ من الخير أن يفترقا ، فجعل الطلاق المشروع مرتين متفرقتين في طهرين كما دلت على ذلك السنة ، فإن شاء أمسك ، وإن شاء طلّق ، وأمضى الطلاق ، فيكون الزوج على بينة مما يأتي وما يذر ، ولن يتفرق بالطلاق بعد هذه الروية وهذه الأناة إلا متفرّقان طبعا ، من الخير ألا يجتمعا .
وإذا كانت حكمة الطلاق ما ذكرناه سقط قول الناقمين على الشريعة من أنها لم تحترم عقد الزوجية ، وتعطه ما يجب له من الحيطة والرعاية .
وليس عندنا من المراجع ما نعلم منه حقيقة مذهب الحجاج والرافضة . ونتبين أنهم يرون الذي سار في الطلاق على هذا السنن وطلق اثنتين ، ثم لم يطلق الثالثة ، وعاشر بإحسان قد بقيت له واحدة فقط ، فإذا أراد أن يطلق لم تكن له إلا واحدة أم هم يرون أنّه قد هدم الطلاق ، وإذا أراد أن يطلّق كان له الثلاث من جديد ، وأنّ هذا شرع الطلاق ، فلا يطلق إلا بهذه الصفة .
فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
.
الإمساك خلاف الإطلاق ، والتسريح الإرسال ، وسرّح الماشية تسريحا إذا
هامش
( 1 ) ابن ثور النخعي قاضي البصرة توفي ( 147 ه ) في خراسان ، انظر الأعلام للزركلي ( 2 / 168 ) .
( 2 ) رواه أبو داود في السنن ( 2 / 226 ) ، كتاب الطلاق باب كراهية الطلاق حديث رقم ( 2178 ) .