وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً
.
هذا هو الحكم الثاني من أحكام الطلاق ، وهو ارتجاع الرجل المرأة ما دامت في عدتها .
وبعولة : جمع ( بعل ) وهو الزوج ، ويطلق على المرأة : بعلة ، وهما : بعلان ، وهو في الأصل بمعنى السيد المالك ، يقال : من بعل هذه الناقة ؟ أي من ربّها ؟
المعنى : وأزواج المطلقات أحق برجعتهن في مدة التربص إن أرادوا إصلاحا ، لا مضارّة المرأة ، وظاهر الآية أن اللّه يشترط في الرجعة إرادة الإصلاح ، فإذا أراد المضارّة فليس له حقّ الرجعة ، والأمر كذلك ، ولكن لما كانت هذه الإرادة لا اطلاع لنا عليها عاملناه بظاهر أمره ، وجعل اللّه ثلاث التطليقات علما عليها ، ولو تحققنا من ذلك لطلقنا عليه .
وفيما بينه وبين نفسه لا يجوز له أن يراجع إن قصد الضرر لا الإصلاح .
وحق الرجعة مقصور على المطلقة طلاقا رجعيا .
واختلف العلماء فيها في مدة التربّص : أحكمها حكم الزوجة ، أم ليست كذلك ؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنها حكمها حكم الزوجة ، وذهب مالك إلى أنها ليست كالزوجة ، وابتني على هذا الخلاف أنّ أبا حنيفة يجيز مباشرتها مدّة التربص ، ومالك يمنعه قبل الرجعة .
ويظهر أن منشأ الخلاف اختلاف الفهم في هذه الآية ، فقد سمّاه اللّه بعولة ، وهذا يقتضي أنهن زوجات ، وقال :
أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ
وهذا يقتضي أنهن لسن بزوجات ، إذ الردّ إنما يكون لشيء قد انفصم ، فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الرجعية زوجة ، وفائدة الطلاق نقص العدد ، وأولو قوله :
أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ
فقالوا : إنّهن كن سائرات في طريق لو وصلن إلى نهايته لخرجن عن الزوجية ، فالارتجاع ردّ لهنّ عن التمادي في ذلك الطريق .
والمالكية أوّلوا قوله :
وَبُعُولَتُهُنَّ
فقالوا : سماهم بعولة باعتبار ما كان ؛ ومعنى
أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ
ردهن إلى الزوجية .
وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ
.
هذه كلمة وجيزة بيّنت نظر الشارع إلى عقد الزواج ، فليس الزواج في الشريعة الإسلامية عقد استرقاق وتمليك ، إنما هو عقد يوجب على الزوج حقوقا للمرأة . كما يوجب على المرأة حقوقا للزوج ، فما من حقّ للزوج على المرأة إلا وفي نظيره حق لها عليه ،
وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ
والمعروف ضد المنكر . ثم قال :
وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ
والدرجة المنزلة ، وأصلها من درجت الشيء أي طويته ، والدرجة قارعة الطريق ، لأنّها تطوي منزلا بعد منزل ، والدرجة المنزلة من منازل الطريق ، ومنه