متى شاء ، ويحل ، واختلفوا في هدي الإحصار في الحج ، فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي : له أن يذبحه متى شاء ويحل . وقال أبو يوسف والثوري ومحمد : لا يذبحه قبل يوم النحر .
وجه الأولين أن قوله :
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
عام في كل الأوقات متى حصل الإحصار ، فتخصيصه بوقت إخراج للعام عن عمومه من غير دليل ، وأيضا فإن الاتفاق حاصل بين الجميع أن حكم الإحصار بالعمرة لا توقيت فيه ، وهو مستفاد من قوله :
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
وهذا دم إحصار ؛ وذلك دم إحصار ؛ الفرق تحكّم .
على أن المعقول في دم الإحصار أن لا يتوقت بزمن غير زمن الإحصار لما قد ينشأ عن بقاء الإحرام - حتى يجيء يوم النحر - من الضرر . نعم قد يعقل أن يختص ذبح دم الإحصار بالمكان لمعنى في المكان : كسد حاجة فقراء الحرم ، أو ما شاكل ذلك ، ولا نجد هذا المعنى في التخصيص بالزمان بعد وجود الإحصار وعدم التمكن من الوصول إلى الحرم .
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
، المراد بالمرض هنا أدنى ما يصدق عليه اسم المرض . لأنّ المرض الشديد الذي يمنع من تمام النسك يثبت به الإحصار عند الحنفية ، وهذا أحد الشبه التي للشافعية أن يستدلوا بها على أن المرض لا يثبت به الإحصار ، لأنّه قد بيّن حكمه ، هنا ، وإن كان للحنفية أن يقولوا :
إنّ وجود الصوم بين هذه الأشياء التي جبر فيها دالّ على أن هذا حكم المرض اليسير الذي يقدر صاحبه على الصوم معه ، وهذا لا نقول له تحلل بالهدي ، بل عليه إتمام النسك ، ثم إن قوله :
أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ
مشير إليه .
وفي الآية حذف تقديره :
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ
فحلق فالواجب فدية ، وكأنّ هذا استثناء من قوله :
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
، وعلى كل حال - فالمراد : بالمرض والأذى ما يحتاج معه إلى أن يفعل شيئا من محظورات الإحرام :
كلبس المخيط ، أو تغطية الرأس ، أو الحلق . ولم تبين الآية مقدار الصيام ، ولا مقدار الصدقة ، ولا مقدار النسك . وإنّما ذلك نجده في السّنّة وكتب الفقه .
وقد ذهب الجمهور إلى أن الصوم ثلاثة أيام ، وهو قول جماعة السلف : إلا ما يروى عن الحسن ، وعكرمة : أن الصيام عشرة أيام كصوم التمتع ، والعمدة في هذا الباب حديث كعب بن عجرة ، وهو ما
روي عن عبد اللّه بن مغفّل أن كعب بن عجرة حدّثه « أنه خرج مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم محرما فقمّل رأسه ولحيته ، فبلغ ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فدعا بحلاق فحلق رأسه » ، وقال : « هل تجد نسكا » ؟ فقال : ما أقدر عليه ، فأمره أن يصوم ثلاثة أيام ، أو أن يطعم ستّة مساكين ، لكل مسكين صاعا « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر أحكام القرآن للجصاص ( 1 / 281 ) .