بنفس راضية وقلب مطمئن ، وقد كان الرسول يضيق صدره بما يقولون . ويتألم مما يفعلون
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
« 1 » .
وهذه الدعوة العامة الشاملة التي جاء بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو بها العرب الجاهلين والناس أجمعين ، هذه الدعوة عبء ليس بالخفيف بل عبء من أشد ما يكون ، وحمل تنوء به كواهل الفطاحل ، وينقض لأجله ظهور الأكابر ، ولكن اللّه بما تعهد به لنبيه المصطفى من الآيات والإرشادات ، والتوجيهات قد وضع عنه وزره الذي أثقل ظهره لولا لطف اللّه .
ولقد رفع له ذكره ، وهل هناك رفعة أعلى من اقتران اسمه باسم اللّه في الأذان والتكبير ، والدعاء والصلاة ، ألم يجعل اللّه طاعة رسوله من طاعته ، وحبه من محبته ؟
وأي مكانة أرفع من أن يكون له في كل ركن في الأرض أتباع وأنصار يدينون للنبي بالطاعة والولاء ؟
ألم تر إلى الصحابة وهم يتسابقون إلى مجلسه والتمتع بحلو حديثه ، والاستشفاء بمخالفاته ؟ تلك بعض نعمه على رسوله ، واللّه أعلم بغيرها .
نعم ما قد شرح اللّه صدره ، ووضع عنه وزره ، ورفع له ذكره ليس في الأرض فقط ، بل عند سدرة المنتهى ، عند جنة المأوى ، وكان هذا كله بعد أن لحق بالنبي ما لحق من أذى قومه وعنتهم ، حتى ضاق صدره ، ولا عجب في ذلك ، فإن مع العسر يسرا : وانظر إلى قوله : مع العسر ، ثم إلى قوله : يسرا ، أي : بالتنكير ، وكما
يقول الرسول : لن يغلب عسر يسرين « 2 »
أما العسر الذي كان عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة فهو الفقر وقلة الصديق ، وقوة العدو وشدة مقاومته ، وقد جاءهم اليسر فكثر المال والصديق ، وضعف قوة العدو ، وأما قوة المؤمنين الذين اشترى اللّه منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه ، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم
هامش
( 1 ) سورة الحجر الآيات 95 - 98 .
( 2 ) هذا المعنى مأخوذ من أن العسر ذكر معرفا فهو يدل على عسر واحد ، وذكر اليسر منكرا فتراه يدل على أكثر من واحد .