المعنى :
أقسم الحق - تبارك وتعالى - بالضحى ساعة ارتفاع الشمس أو النهار ، وساعة امتلاء الكون بالحياة والضوء والحرارة ، وأقسم بالليل إذا سكن « 1 » وهدأ كل ما فيه بعد حركة واضطراب . أقسم بهذا وذاك على أنه ما تركك يا محمد وما كرهك ، وكيف ذلك وأنت الحبيب المختار والرسول الأمين ، وخاتم الأنبياء والمرسلين .
ولقد اتصل بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم الأمين جبريل حينما بعث ، وهذا الاتصال لأنه بين ملك وبشر كان شديدا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ *
لهذا فتر الوحي وانقطع لتطمئن نفس الرسول ويتجدد عزمه ، وتقوى نفسه على ملاقاة جبريل ، فيبحث عنه ويطلبه ، فكانت فترة الوحي تأديبا وتطمينا وإصلاحا .
ولقد تاقت نفسه الشريفة إلى ملاقاة ربه عن طريق جبريل واشتاق إلى ذلك . ومع الشوق قلق وخوف . فأراد الحق أن يطمئن الرسول على ما يطلب بذكر ما صنعه معه .
وتبشيره بمستقبل زاهر ، وأن هذه الفترة لم تكن عن ترك ولا بغض وأقسم له على ذلك .
ولعلك تسأل عن العلاقة بين القسم بالضحى والليل وبين المقسم عليه ؟ والجواب أن الوحي وانقطاعه للاستجمام والتقوية والاطمئنان كان أشبه بالضحى وما فيه من حركة وحياة ثم ما يعقبه من ليل يسكن فيه الكون ليستجم ويستعد لكفاح وحياة أخرى سعيدة .
والضحى والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما تركك عن غضب عليك . واعلم أن الآخرة - أي : الأيام المستقبلة الآتية - خير بلا شك من أيامك هذه ، فثق أن دعوتك وحياتك تنتقل من طور إلى طور أحسن ، وإن يكن في ذلك نوع من التعب والمشقة ، ولسوف يعطيك ربك من توارد الوحي الذي تطلبه لإرشاد قومك ، وهداية العالم ما به ترضى وتطمئن ، ولا عجب في ذلك ولا غرابة ، ألم يجدك « 2 » يتيما فآواك
هامش
( 1 ) عبر هنا بالماضي ، وفي سورة الليل بالمضارع لأن الماضي يدل على اللزوم والمضارع بدل على التجدد وسكون الليل لازم ، وغشيانه الوجود بالظلمة متجدد إذ قد يتخلله نور القمر .
( 2 ) الاستفهام هنا للتقرير .