قل لهم يا محمد : لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت وكيف تفرون ؟ ولو كنتم في بروج مشيدة لأدرككم الموت ولحقكم ، فإن لكل أجل كتابا
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ *
[ سورة الأعراف آية 34 ] .
وإذا فررتم وكان في العمر بقية لا تمتعون إلا متاعا قليلا زمنه ، إذ الدنيا لم تخلق زهرتها للجبناء .
قل لهم : كيف تفرون من حكم اللّه إلى حكم اللّه ؟ ومن ذا الذي يعصمكم منه إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة من خير ونصر وعافية ؟ وهم لا يجدون لهم من دون اللّه نصيرا ينصرهم ولا وليا يلي أمورهم ويشفع لهم .
روى أن عبد اللّه بن أبىّ وأصحابه من المنافقين قالوا لإخوانهم من المسلمين : ما محمد وأصحابه إلا قلة وهو هالك ومن معه ، فهلموا وفارقوا محمدا ، وقيل : إن القائل هم اليهود قالوا لإخوانهم من المنافقين : تعالوا إلينا وفارقوا محمدا فإنه هالك وإن أبا سفيان إن ظفر بكم لم يبق منكم أحدا فنزل قوله تعالى : قد يعلم اللّه المعوقين - المثبطين -
منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ، وهم قوم جبناء لا يأتون البأس - القتال - إلا قليلا خوفا من الموت ، ولا يحضرون القتال إلا رياء وسمعة ، وهم قوم بخلاء عليكم أشحاء بالمعونة عند الشدائد لا ينفعون ، وعند الغنائم يحضرون ويطالبون ، فإذا جاء الخوف واشتد لهيب المعركة وحمى وطيسها ، رأيتهم - ويا لهول ما ترى - ينظرون يمينا وشمالا تدور أعينهم يمنة ويسرة لذهاب عقولهم حذرا من القتل ، وهكذا الجبال الرعديد ، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد وبسطوا إليكم ألسنتهم بالسوء ، وآذوكم بالكلام الشديد . فهم عن الخير ممسكون وفي الشر مجدون أولئك لم يؤمنوا بقلوبهم فأحبط اللّه أعمالهم حيث لم يقصدوا بها وجهه ، وكان نفاقهم وعملهم على اللّه هينا ، ألا قاتلهم اللّه أنى يؤفكون ! وهؤلاء المنافقون لشدة جبنهم وسوء رأيهم يظنون أن الأحزاب لم ينصرفوا ، وهذا شأن الجبان لفرط خوفه إذا رأى شيئا ظنه رجلا ، ولفساد اعتقادهم وسوء طويتهم يودون أن تأتى الأحزاب ، وهم مع الأعراب المتحزبين حذرا من القتل وتربصا بالنبي الدوائر سائلين عن أنبائكم أيها المسلمون ، وهم ليسوا في قليل ولا كثير ، ولو كانوا فيكم وفي جيشكم ما قاتلوا إلا قليلا .
ولقد كان لكم - أيها المتخلفون عن القتال - أسوة حسنة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فكان