تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 755

مساهمون:

ص٧٥٥
أحوال تكاد تكون متباينة ، ألم يخلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم أخرجكم أطفالا ثم كنتم شيوخا ، أليس صاحب هذا بقادر على كل شيء فما لكم لا تخافون عظمة اللّه ؟ ولا تؤمنون بيوم القيامة ! ثم لفت نظرهم إلى هذا الكون بعد أن نبههم إلى ما في أنفسهم من آيات فقال : ألم تروا السماء كيف خلقت ؟ لقد خلقها اللّه سبع سماوات طباقا ، ما ترى فيها من نقص ولا تفاوت ، وجعل القمر في إحداهن نورا ، وجعل الشمس في أخرى سراجا وهاجا . يا سبحان اللّه لقد جعل الحكيم العليم للقمر نورا ، وللشمس سراجا ، لأن الدنيا ستصبح بنور الشمس على أنه نور قوى شديد ، ونور القمر بسيط يضيء في الليل نوعا ما ، وهو نور منعكس ليس من ذات القمر و
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً
« 1 » وقد توصل العلم إلى بعض الحقائق الثابتة في كتاب اللّه . . ثم لفت نظرهم إلى أنفسهم فقال :
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
نعم هو خلقنا من تراب ، فعناصرنا المادية تراب مخلوط بماء ، ثم كانت النطفة ، والنطفة خلاصة الدم ، والدم من الغذاء والغذاء من الأرض ، فاللّه سبحانه أنبت الإنسان من الأرض نباتا كالشجر ، ولكنه ميزه عنه بالحياة الحيوانية ، ثم كمله بالعقل والتفكير ، وشرفه بالرسالات الإلهية ، فما لكم لا تؤمنون ، لأي سبب تكفرون . ثم بعد هذا يعيدكم إلى الأرض أمواتا ، ثم يخرجكم منها إخراجا للبعث والجزاء . . . ثم لفت نظرهم إلى الأرض التي أقلتهم فقال : لقد جعلت لكم الأرض بساطا ، فهي ممهدة للعيش ، ميسرة سهلة للانتقال ، لتسلكوا منها طرقا واسعة توصلكم إلى أغراضكم . هذا هو الدور الثالث في القصة . وقد أخذ نوح بعد هذا يشكو إلى ربه عصيان قومه مبينا سبب هذا العصيان ونهايته ، وفي هذا كشف لحقيقة كان يجهلها عامة المشركين . قال نوح : رب إنهم عصوني وخالفوا أمرى واتبعوا رؤساءهم الذين حملوهم على الكفر ، وأشاروا عليهم به لأنهم أصحاب مال وأولاد . فاغتروا بهم ، واستكبروا واشتروا الضلالة بالهدى ، وآثروا هذا الجاه الكاذب على النعيم الدائم ، هؤلاء الرؤساء مكروا بعامتهم وبنوح مكرا كثيرا . فأما مكرهم بالشعب فلأنهم ضللوهم عن اتباع الحق ، وحالوا بينهم وبين الإيمان بنوح - عليه السلام - وأما مكرهم بنوح فلأنهم
هامش
( 1 ) - سورة يونس آية 5 .