تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 754

مساهمون:

ص٧٥٤
اللين والعرض الجميل أصروا على كفرهم ؛ فماذا كان موقف نوح ؟ إنه ناجى ربه وقال آسفا : رب إني دعوت قومي - كما تعلم - إلى الإيمان والطاعة ليلا ونهارا وسرّا وإعلانا ، فلم أر منهم إلا عنادا واستكبارا عن الحق وعن الصراط المستقيم ، وإني كلما دعوتهم إلى الإيمان لتغفر لهم أصموا آذانهم عن سماع تلك الدعوة ، وحجبوا عيونهم عنها ، وأصروا واستكبروا استكبارا . وانظر إلى القرآن الكريم وهو يصور حالهم العجيبة حيث يعبر عن عدم سماعهم بأنهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ، والجعل يقتضى دوام الوضع ، والأصابع يفهم منها المبالغة في السد ؛ فإن الذي يوضع طرف الإصبع لا الإصبع كله ، وانظر إلى قوله ( واستغشوا ثيابهم ) فإن المعنى أنهم بالغوا في التغطى بها مبالغة كأنهم طلبوا من ثيابهم أن تغشى الجسم كله لا عيونهم فقط . ثم إلى دعوتهم جهارا ، ثم إني أعلنت لهم الحال وبينته لهم على كل وضع بحيث جمعت بين الإعلان والإسرار . تلك هي المرحلة الأولى في الدعوة ، تلتها مرحلة ثانية هي مرحلة الشرح وبيان الحجة حيث قال نوح : فقلت : استغفروا ربكم ، وتوبوا إليه ، إنه يقبل التوبة عن عباده ، ويعفو عن السيئات ، إنه كان غفارا ؛ على أنكم إن آمنتم بربكم يرسل السماء عليكم بالمطر الكثير الذي يخصب الأرض ويأتي بالخير ، ويمددكم ربكم عند ذلك بأموال نافعة وأبناء وذرية صالحة ، ويجعل لكم جنات وبساتين . ويجعل لكم فيها الأنهار والعيون ، أي : إن آمنتم أمدكم بسعادة دنيوية تكفل لكم حياة رغدة وعيشة راضية . ولكنهم مع ذلك لم يؤمنوا فناقشهم بقوله : أي شيء ثبت لكم حالة كونكم لا ترجون وقارا كائنا للّه ؟ والوقار العظمة ، والرجاء الخوف أو الاعتقاد ، فكأن المعنى أي سبب حصل لكم حال كونكم غير خائفين أو غير معتقدين للّه تعالى عظمة توجب عليكم الإيمان باللّه والطاعة لرسوله ؟ ! ! إن هذا لشيء عجيب ، وشيء تنكره العقول السليمة . ما لكم لا تخشون اللّه وقدرته على كل شيء ؟ وما لكم لا ترهبون سطوته فتؤمنوا به وتصدقوا برسله ؟ وهو القادر على كل شيء ، وهو الذي خلقكم في أطوار مختلفة وفي