تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 716

مساهمون:

ص٧١٦
انظر إلى ترتيب الآيات ترتيبا محكما دقيقا حيث ذكرهم ربك بنعمة صلاحية الأرض للمعيشة ، ثم حذرهم عاقبة التمادي في الباطل ، وأن من الحكمة ألا يأمنوا زوال النعم فإن اللّه قادر على سلبهم إياها ، فبعد أن تكون الأرض ذلولا تصبح كالفرس الجموح فترجف وتضطرب اضطراب خسف وهلاك حتى تبتلعهم ، وكأن العرب استبعدوا هذا ، فأضرب الحق - تبارك وتعالى - عن تهديدهم بهذا إلى تهديدهم بشيء كثير الحصول عندهم ، وهو الريح الحاصب التي تنزع الناس ، وتتركهم هلكى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية ؟ ! وفيه يتبين إنذار اللّه لهم حقا
فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ
؟ ! ثم أراد اللّه أن يهددهم بأسلوب آخر يكون بلفت نظرهم إلى من تقدمهم من الأمم التي كذبت رسلها ، وأبيدت عن آخرها ، وفي ذلك سلوى للرسول الأكرم . ولقد كذب الذين من قبلهم من الأمم السابقة التي عرفوها ، وكانوا يمرون على آثارهم ، فغضب اللّه عليهم وأذاقهم عذاب الحياة الدنيا ، وخسف بهم الأرض ، وأهلكهم وتلك آثارهم ، فانظروا كيف كان نكيري وسخطي على الكفار ؟ ! هؤلاء كذبوا برسلهم ، واستخفوا بوعيدهم ، واغتروا بمالهم ، فكانت عاقبة أمرهم خسرا في الدنيا والآخرة ، وكان المشركون من العرب يعتقدون أن ما يهددون به لن يحل أبدا ، فذكرهم بما حل بغيرهم . وذكر لهم بعض آيات قدرته في الكون ليعلموا أن اللّه على كل شيء قدير . فقال ما معناه : أليس من عجائب القدرة ما يراه الإنسان في كل وقت وآن ، من تحليق الطيور في أجواز الفضاء ، من الذي رفعها ، ومن الذي منعها من السقوط ، ومن الذي أوجد فيها القدرة على الطيران ، وللتحرك في السماء ، من الذي ركبها تركيبا به تقوى على ذلك ؟ أليس هذا من عجائب صنع اللّه ؟ أعموا ولم يروا إلى الطير فوقهم صافات أجنحتهن تارة ، ويقبضنها تارة أخرى ، ما فعل هذا إلا الرحمن الذي سهل لذلك الحيوان وسائل الطير والانتقال ، كان هذا أساسا لتفكير الإنسان في الطيران ، إنه بكل شيء بصير . . بسط الطائر لجناحه أساس طيرانه ، وقد يبقى مستمرّا عليه ساعات ، وقبضه له وهو يطير قليل الحصول ، عارض متجدد . ومن هنا عبر عند البسط بقوله : « صافّات » وعند القبض بقوله : « يقبضن » « 1 » .
هامش
( 1 ) - هذا جواب عن سؤال حاصله : لما ذا عبر القرآن بقوله : ( صافات ويقبضن ) مخالفا بين اللفظين ولم يأت بهما فعلين أو اسمين ؟ ومحور الجواب أن اسم الفاعل يدل على الدوام والاستمرار والفعل يدل على الحدوث والتجدد ، والصف أي : البسط كثير دائم عند الطيران ، والقبض قليل غير متجدد .
التفسير الواضح — صفحة 716 | محمد محمود حجازي