تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣

المعنى :

إن من أجل نعم اللّه على الإنسان أن يبين له نشأته الأولى ، ومادته التي خلق منها ليفهم الإنسان نفسه ، ويعاملها على أساس سليم ، وإذا عرف الداء فلن يعز عليه الدواء . اللّه يقول : إنه خلقكم من تراب
كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
وقال
إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ
:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
وقال هنا :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ
ومن هذا كله نفهم أنه أخذ تراب الأرض فعجنه بالماء حتى صار طينا لازبا ثم انتقل فصار كالحمإ المسنون ، ثم انتقل فصار صلصالا كالفخار ثم نفخ فيه من روحه جل جلاله فكان الإنسان ، ومن هنا نعرف أننا معشر بني آدم من مادة طينية سوداء كالحمإ المسنون الذي جف حتى صار كالفخار في الصوت والضعف ، نعم
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
أمام الدنيا ومغرياتها وأمام المرأة ومفاتنها وأمام عرض الحياة وزخارفها ، فاعرفوا أنفسكم ، وقووا ضعفكم وانصروا دواعي الخير والفضيلة فيكم التي هي من دواعي الروح ، واحذروا إبليس فإنه من الجان ، وقد خلق من مارج من نار ، أليس لهب النار أحمق متعاليا مغرورا مدفوعا إلى الإيذاء ؟ فاحذروا وسوسته واستعيذوا باللّه منه ، ألست معي أن ذلك البيان من أجل نعم اللّه علينا ؟ ! فبأي آلاء ربكما تكذبان ؟ ! هو رب المشارق والمغارب - إذ الشمس لها عدة مشارق ومغارب - ، وهو رب المشرقين ورب المغربين - أي : مشرق الصيف والشتاء ومغربهما - والشمس حين تشرق من مدار السرطان يكون الصيف في نصف الكرة الشمالي ، وحين تشرق من مدار الجدى يكون الصيف في الجنوب والشتاء في الشمال ، ولا شك أن مشارق الشمس ومغاربها وانتقالها من مدار إلى مدار من أجل النعم علينا إذ لو بقيت كما هي في شروق واحد وغروب واحد لتعطلت نواميس الحياة ، وتعطلت زراعة الصيف أو الشتاء ، ولقل العمران ، ألا ترى إلى سكان خط الاستواء وسكان المناطق الشمالية والجنوبية « 1 » التي يظهر عندهما المشارق والمغارب ، فبأي آلاء ربكما تكذبان ؟ هو الذي مرج البحرين العذب والملح يلتقيان في مصاب الأنهار بينهما حاجز من اليابس لا يبغيان على بعضهما ولو شاء لاختلطا فضاعت فوائد الملح وعذوبة الماء العذب ، فبأي آلاء
هامش
( 1 ) - المراد : المناطق التي هي حول مدار السرطان ومدار الجدى لا المناطق القطبية .