ويرى بعضهم أن انشقاق القمر عبارة عن انشقاق الظلمة وقت طلوعه ، لا انفلاقه فلقتين كما روى في البخاري ، وبعضهم يرى أنه كناية عن وضوح الأمر وظهوره ، ولست أرى داعيا إلى إنكار انشقاق القمر على أنه معجزة ؛ فالمعجزة أمر خارق للعادة ، وعدم تواتره لا يقدح ، فإنها آية ليلية ، وقد ذكرت في القرآن ، والصحيح أن منكرها لا يكفر بها لعدم تواترها في السنة ، وليست الآية نصّا فيها .
وإن يروا - هؤلاء الكفار كما هو شأنهم - أي آية يعرضوا عنها ، ويقولوا : هذا سحر مستمر ، أي : مطرد دائم عرفناه من محمد ، أو هو سحر مستمر ، أي : محكم قوى عرفناه من هذا الساحر القوى ، أو هو سحر سيذهب عن قريب ويضيع كما ضاع غيره ، وتلك أمانيهم الباطلة ، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، وهكذا كذبوا بآياتنا الظاهرة واتبعوا في هذا التكذيب والإعراض أهواءهم التي زينها لهم شياطينهم فقط ، ولم يتبعوا حجة أو منطقا سليما ، وما علموا أن كل أمر مستقر
وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ
« 1 » نعم كل أمر لا بد منته إلى غاية يتبين عندها حقه من باطله .
وتاللّه لقد جاءهم في القرآن من أخبار القرون الماضية ما فيه ازدجار لهم « 2 » ومنع عما هم فيه من القبائح لو كانوا يعقلون ، هذه حكمة بالغة قد بلغت الغاية ووصلت إلى النهاية في الإحكام والدقة فكان من المعقول أن ينتفعوا بوعيد هذه الأنباء ووعدها ، فما انتفعوا ، وما أغنتهم هذه النذر « 3 » .
وإذا كان الأمر كذلك فتول عنهم ، وأعرض ، ولا يهمنك أمرهم ، واذكر يوم يدعو الداعي ، وهو إسرافيل - عليه السلام - يدعوهم ليخرجوا من الأجداث فيرون شيئا منكرا فظيعا تنكره النفوس لعدم عهدها بمثله ، وهو هول يوم القيامة ، يخرجون من القبور أذلة أبصارهم من شدة الهول كأنهم جراد منتشر في الكثرة والتموج والانتشار في الأقطار ، وقد جاء تشبيههم - مرة أخرى - يوم يخرجون من القبور كالفراش المبثوث ،
هامش
( 1 ) وهذا استئناف مسوق للرد على الكفار في تكذيبهم ببيان أنه لا فائدة لهم في ذلك حيث إن كل أمر لا محالة ينتهى إلى غاية ، ومن جملة ذلك أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سينتهي إلى غاية يظهر فيها أنه على حق ، وأنهم على باطل .
( 2 ) ( من الأنبياء ما فيه مزدجر ) الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال مقدم من ( ما ) الواقعة فاعلا لجاءهم .
( 3 ) وعلى هذا فما نافية ويصح أن تكون استفهامية للاستنكار ، والفاء لترتيب عدم الإغناء على مجيء الحكم .