تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
وقد كان أشد شيء على نفوس المسلمين وخاصة أمثال عمر - رضى اللّه عنه - شرطا قبله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وخلاصته أن من ارتد من المسلمين قبله المشركون ، ومن جاء من المشركين إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رده النبي ولم يقبله ، وحجة النبي في ذلك أن من ارتد عن الإسلام فلا حاجة لنا به ، ومن جاء مسلما منهم وحاول اللحاق بالمسلمين فليصبر وسيجعل اللّه له مخرجا . وقد أثبتت الحوادث أن هذا العهد كله - خاصة هذا الشرط الذي ظنه المسلمون مجحفا بهم - حكمة سياسية ، وبعد نظر كان له أكبر الأثر في الدعوة الإسلامية . فهذا أبو بصير وقد إلى النبي مسلما ينطبق العهد عليه برده إلى قريش لأنه خرج بغير رأى مولاه ، فقال له النبي حينما طلب إليه الرجوع : يا أبا بصير إنا قد أعطينا لهؤلاء عهدا ولا يصح لنا الغدر ، وإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا فانطلق إلى قومك ، قال أبو بصير : أتردني إلى المشركين يفتنونى في ديني ؟ ! وأخيرا بعد حوار مع مرافقيه نزل في مكان على ساحل البحر الأحمر في طريق قريش إلى الشام ، واجتمع معه جمع من المسلمين الفارين بدينهم ، وأخذوا يقطعون على قريش سبيل تجارتهم حتى ضجوا وطلبوا من النبي بإلحاح أن يجيرهم من هؤلاء ، وأن يبقيهم معه في المدينة ، وسقط بذلك الشرط الذي أقلق عمر وغيره . أليس هذا فتحا مبينا فتح اللّه به على المسلمين ، وكان فتحا مبينا ، وفوزا عظيما ؟ ! نعمه هو أعظم الفتوح ؛ فقد رضى المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح - الراحة - ويسألوكم القضية ، ويرغبوا إليكم في الأمان ، ويعاملوكم معاملة الأنداد ؛ وقيل : هو فتح مكة ، ولتحقق وقوعه عبر عنه اللّه بقوله : فتحنا . وهل الفتح علة لمغفرة اللّه لنبيه ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ وقد أجاب العلامة الزمخشري عن ذلك بقوله : لم يجعل علة للمغفرة فحسب ، ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة ، وهي المغفرة ، وإتمام النعمة ، وهداية الصراط المستقيم ، والنصر العزيز ، كأنه قيل : يسرنا لك فتح مكة - هو يرى أن الفتح لمكة - ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين والجزاء العاجل والآجل ، ويجوز أن يكون الفتح من حيث هو جهاد للعدو سببا للغفران والثواب والهداية للصراط المستقيم ، والنصر العظيم وما تقدم من الذنب وما تأخر المراد به : ما فرط من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو المعصوم عن