تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
ومن صفاتهم أيضا الإنفاق مما رزقهم اللّه ، تلك الاشتراكية المنظمة السليمة من الآفات والعيوب . وهكذا الإسلام يبين لنا أن من صفات المؤمنين العزة والكرامة ، والاعتزاز بقوة اللّه والوثوق في نصره ، وعلى ذلك فإذا أصابنا بغى وظلم بغير حق وجب علينا أن ننتصر وندافع عن حقوقنا ، وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يغضب جدا إذا انتهكت حرمة من محارم اللّه ، ويغفر ويعفو لمن ينال من شخصه في بعض الأحيان ، والشخص المعتدى عليه ينطبق - إذا كان اعتداؤه بغير قصد ، ولم يكن مصرّا عليه ، وكان في العفو عنه تسكين لفتنة - عليه قوله تعالى :
وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
« 1 »
وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
« 2 » .
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
« 3 » وغير ذلك من آيات العفو . فإن كان في ترك الانتصار جرأة السفهاء ، ومذلة المؤمنين ، وانتهاك حرمة الدين فالانتصار واجب إذ هم يكرهون أن يذلوا أنفسهم حتى يجترئ عليهم السفلة من الناس بل ينتصرون على من بغى عليهم واعتدى واللّه معهم . وعلى ذلك فلا تعارض في الآية . ولكن رد الاعتداء والانتصار للحق يكون على أي شكل ؟ لقد رد اللّه على هذا بقوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
فإن النقصان حيف ، والزيادة ظلم ، وبدء الاعتداء سيئة وشر ، ورده كذلك يسيء من ينزل به ، لقد صدق الحكيم العربي حيث قال : « الشر بالشر والبادي أظلم » . فمن عفا عمن ظلمه وأصلح ما بينه وبينه حتى لا يعود إلى الاعتداء فأجره على اللّه وذلك خير بلا شك ، إذ قد شرطنا في القصاص ورد الاعتداء المساواة ، وتحقيقها واقعيا بعيد ، ففي الغالب يكون معه ظلم وزيادة واللّه لا يحب الظالمين ، ومن هنا نعلم أن الشرع يميل إلى العفو ، وأنه أقرب إلى التقوى ، وهذا كما قلنا بشروط موكول أمرها للمسلم . وهل المنتصر لنفسه معتد أم لا ؟ لا . ولمن انتصر بعد ظلمه والاعتداء عليه أولئك ما عليهم من سبيل ، ولا عقوبة عليهم ، إنما الإثم والعقوبة والسبيل على الذين يظلمون الناس بغير حق ويبدءون بالعدوان على الآمنين الهادئين أولئك لهم عذاب أليم .
هامش
( 1 ) - سورة الشورى آية 37 . ( 2 ) - سورة البقرة آية 237 . ( 3 ) - سورة آل عمران آية 134 .
التفسير الواضح — صفحة 375 | محمد محمود حجازي