تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 775

مساهمون:

ص٧٧٥
هذا حق ، وهذا هو النبي المبشر به عندنا ، أو لم يكن لهم في هذا آية ودليل ؟ هذه أدلة أوضح من الشمس على أن القرآن من عند اللّه ، وأن محمدا صادق في دعواه ، ولكن العناد والكفر يأبى عليهم الخضوع للحق ، ولو أنزل هذا القرآن على بعض الأعاجم ، فقرأ عليهم ما كانوا به مؤمنين أبدا
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
« 1 » مثل إدخالنا التكذيب في قلوبهم لو قرأه عليهم أعجمي ، أدخلناه في قلوب المجرمين كفار مكة المشركين . فهم لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ، فما هو أشد منه ، وهو لحوق العذاب بهم فجأة ، فما هو أشد منه ، وهو سؤالهم الإنظار من القطع بامتناعه ومعنى الكلام : لا يؤمنون بالقرآن حتى يأتيهم العذاب فجأة ، وهم لا يشعرون به فيرونه فيقولوا : هل نحن منظرون ومؤخرون عن الهلاك ولو طرفة عين لنؤمن ؟ فيقال لهم اخسئوا في جهنم ، ولا تكلمون ، وعلى هذا فالفاء التي في الآية ليست للترتيب الزماني بل للترتيب الرتبى . ومع هذا فهم يقولون : متى هذا العذاب ؟ استبطاء له واستهزاء بالنبي أفبعذابنا يستعجلون ؟ ! ! إن هذا لعجيب ، ولكنهم قالوا :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
« 2 » فبدل أن يقولوا : إن كان هذا الحق فاهدنا إليه قالوا تلك المقالة ، فلا عجب أن يستعجلوا العذاب ، إن عذاب اللّه له أجل محدود ، ونظام معلوم ، ولكل أجل كتاب أيظنون أن اللّه يهمل ! لا . ولكنه يمهل فقط . أفرأيت أيها المخاطب إن متعناهم سنين بتأخير العذاب عنهم ثم جاء العذاب فجأة ، وهو ما وعدوا به أي إغناء عنهم ما كانوا يمتعون به ؟ أعنى لو أخر العذاب ، وكان الإنسان متمتعا استدراجا له ثم حل به العذاب فكان انجعافه وهلاكه مرة واحدة أي فائدة استفادوها من النعم ؟ لم يستفيدوا شيئا ، ولم يغن عنهم متاعهم شيئا ، وإنما كان استدراجا لهم وتنكيلا بهم حتى يكون هلاكهم شديدا وعبرة وعظة ونكالا لمن يأتي بعدهم . وما قصص فرعون وعاد وثمود وقوم لوط عنكم ببعيد . . . وهكذا سنة اللّه مع الأمم قديما وحديثا وما أهلكنا من قرية إلا كان لها رسل منذرون تبشرهم وتنذرهم وتدعوهم إلى الصراط المستقيم بشتى الأساليب وبمنتهى الحكمة
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية 7 . ( 2 ) سورة الأنفال الآية 32 .