تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 732

مساهمون:

ص٧٣٢

المعنى :

وهو الذي مرج البحرين العذب والملح وخلى بينهما وخلط ، وأفاض أحدهما إلى الآخر ، فهما يلتقيان أحدهما عذب فرات ، يزيل العطش ، ويكسر سورته وذلك كمياه الأنهار والعيون والآبار ، وهي المياه الجارية التي فرقها اللّه بين عباده لاحتياجهم إليها كأنهار النيل والفرات والمسيسبى في أمريكا وغير ذلك كثير في جميع بقاع العالم ، وكذا العيون والآبار التي في الواحات والصحارى الكبرى وغالب هذه الأنهار وروافدها تتكون من الأمطار ، وبعضها يتسرب في الأرض ثم يظهر على شكل عيون وآبار . والثاني ملح أجاج ، مر المذاق لا يستساغ شربه ، كالبحار الكبيرة والمحيطات المعروفة ، وهذه مياه ساكنة إلا من المد والجزر ، وتصب فيها الأنهار الجارية . وإنا نرى أن البحرين العذب والملح ، يسيران جنبا إلى جنب بل وقد يصب العذب في الملح ، مع ذلك يبقى كل منهما محافظا على خصائصه مسافة طويلة ، هذا هو المشاهد عند مصاب الأنهار ، ونشاهد كذلك أن الأرض تحمل النوعين ، والقارة فيها الصنفان المتميزان كل عن الآخر ، لا يبغى أحدهما على الآخر أبدا . وعلى ذلك يصدق فيهم قوله تعالى :
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً
وقوله تعالى في سورة الرحمن
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ
فالحاجز هو اليابس من الأرض ولقد صرح بذلك بعض أئمة التفسير كابن كثير وغيره ، وإلى هذا أميل ، وبعضهم يرى أن الحاجز ما يشاهد من نهر النيل مثلا يصب في البحر الأبيض وهو ملح ، ومع هذا يظل ماء النيل سائرا في الملح مسافة وهو محتفظ بخاصيته وهذا من نعم اللّه التي أنعم بها على خلقه فللماء العذب فوائد كلنا يعرفها ، وللماء الملح فوائد لا تخفى في تربية بعض الأسماك ؛ والأصداف والأحجار الكريمة كاللؤلؤ والمرجان . ولقد أثبت العلم الآن أن للمحيطات وملحها أثرا كبيرا في حياة الناس ولو كانت عذبة لفسد الجو . وهو الذي خلق الإنسان من ماء مهين هو ماء النطفة ، فسواه وعدله ، وجعله كامل الخلقة ذكرا أو أنثى تكون لها مصاهرة وقرابات وأختان ، وتبارك ربك الخلاق وكان ربك قديرا بالغ القدرة ، خلق الإنسان ، وكان أن جعل منه الذكر والأنثى
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
أرأيت اللّه واهب الوجود مبدع ذلك
التفسير الواضح — صفحة 732 | محمد محمود حجازي