ولكن السبب في هذا يا رب ، وأنت العالم بكل شيء ، أنك متعتهم وآباءهم حتى أبطرتهم النعمة ، وأضلهم الغرور حتى نسوا الذكر الذي أنزلته على رسلك ، وكانوا قوما هلكى لا خير فيهم « وتلك مقالة الملائكة فيما يظهر » فها أنتم أولاء أيها الكفار .
ترون أنهم كذبوكم في دعواكم أنهم يقربونكم إلى اللّه زلفى ، وأنهم آلهة ، فحقا كذبوكم فيما تقولون عنهم ، فما تستطيعون الآن أيها الكفار صرف العذاب عنكم بأي شكل ، ولا تستطيعون نصرا بحال من الأحوال ، وقرئ فما يستطيعون ، أي : الآلهة المزعومون صرف العذاب ، ولا يستطيعون نصركم أبدا .
ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا يتناسب مع ظلمه ، والظلم هو الإشراك أو هو نوع منه
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
.
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
فالظلم أمر عام يدخل فيه الشرك والكفر والفسوق .
وهذا رد عليهم في اعتراضهم على الرسول بأنه يأكل الطعام ويمشى في الأسواق ، وما أرسل اللّه رسلا فيما مضى إلا رسلا يأكلون الطعام كالناس تماما ، ويمشون في الأسواق جريا وراء العيش وتحصيله من طرق شريفة حيث لم يكن في هذا الوقت جهاد ، فليس الفقر عيبا ، وليس العمل ينقص من قيمة الشخص ، وقد جعل اللّه بعض الناس فتنة لبعض فجعل المؤمن مع الكافر ، والصحيح مع المريض ، والغنى مع الفقير كل منهم فتنة لصاحبه فالغنى ممتحن بالفقير إذ تجب عليه المواساة ، وعدم السخرية منه ، والفقير ممتحن كذلك بالغنى فلا يحسده ، ولا يسرق منه ، وأن يصبر كل منهما على ما أراد اللّه له .
والرسول وأصحابه فتنة لأشراف القوم من الكفار في عصره ، ولذلك نرى أن من يقود الكفار والخارجين على الرسل قديما وحديثهم أشراف القوم ، ألم تر إلى قوله تعالى
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ
وإرسال رسول من القوم ليس ذا جاه ومال ومادة كان سببا في كفر كثير من الناس ، وكان فتنة لبعض القوم
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
. ألم يجد اللّه غير يتيم بني هاشم يرسله رسولا ؟ نعم وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ! أتصبرون ؟ .
روى أنها نزلت في أبى جهل بن هشام ، والوليد بن المغيرة ، والعاصي بن وائل وغيرهم من أشراف قريش حين رأوا أبا ذر ، وعبد اللّه بن مسعود ، وعمارا ، وبلالا ،