تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 683

مساهمون:

ص٦٨٣
قوته وشدة تأثيره ووضوحه : كمشكاة فيها مصباح قوى الإضاءة ، شديد التأثير وهذا المصباح في زجاجة صافية ، كأنها كوكب مضيء متلألئ كالدر صفاء وتلألؤا ، يدفع نوره بعضه بعضا لشدته ولمعانه ووضعه بهذا الشكل ، وهذا المصباح يوقد من شجرة مباركة طيبة هي شجرة الزيتون ، وليست تقع شرقي شيء كالجبل ، ولا غربي شيء كذلك فإنها إن وقعت في هذا الموقع حجب الحاجز عنها ضوء الشمس في أول النهار وآخره فكانت الشجرة ضعيفة ، فالشجرة في مكان جيد متمتع بضوء الشمس والهواء الطلق ، وذلك أكمل لنضجها وطيب ثمرها . وانظر يا أخي إلى هذا التمثيل ، وذلك التصوير الذي أبرز النور في صورة مؤثرة أخاذة للنفس ، فقد جعل النور في مصباح ، والمصباح في زجاجة ، وهو في كورة داخلة ، كل ذلك يجعل نوره مسلطا في جهة معينة ، مبددا للظلام الحالك الذي يحيط به ، وهو أشد روعة من نور الشمس الوهاج الذي لا يحيط به ظلام ، ألا ترى إلى البرق الخاطف وأثره في النفس ؟ أليس أشد من ضوء الشمس تأثيرا في النفس وإن المصباح وسط الظلمات المتكاثفة لهو أشبه شيء بنور الحق وسط ظلمات الكفر والفسق والعصيان . ولذا وصف الشجرة بأنها مباركة نامية ، لا يحجبها عن نور الشمس والهواء الطليق جبل أو حاجز ولعل قوله تعالى : لا شرقية ولا غربية إشارة دقيقة إلى أن نور الإسلام وشرائعه وسط بين طرفين متقابلين وما في شرائع الإسلام شاهد على ذلك وهذا الزيت المستخرج من تلك الشجرة ، زيت صاف يكاد يضيء بدون مس النور . تأمل هذا التصوير تجد نفسك أمام نور قد استجمع مظاهر النور ، وتجلى في وسط ظلمة زادت بهاء ظهورا ، فهو بحق نور ، وهذا شأن هداية اللّه لعباده نور من كل ناحية ، وضوء من كل جانب فهو نور متضاعف يزداد كلما نظرت فيه ، وحاولت الوقوف على سره . وانظر إلى التصوير الفنى العالي للمصباح وما يحيط به ثم انظر إليه وقد تعرض لمادة النور ، وهم لا يعرفون من مادة الاستصباح إلا الزيت ، وأجوده زيت الزيتون . وإذا كان هذا هو وصف هداية اللّه وتمثيلها بالنور الحسى فما بالنا نرى كثيرا لم يهتد بذلك النور ، فرد اللّه على ذلك بقوله :
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ