تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
افتتح اللّه هذه السورة بما يوقف الأطماع ، ويحدد الاتجاه ، وبما يوقفنا على ما كان عليه المشركون المشار إليهم في الآية ، وإن كان لفظ الآية يتناول الناس جميعا . اقترب للناس زمان حسابهم ، وقرب الوقت الذي فيه يحاسبون على أعمالهم ، والحال أنهم في غفلة ، وهم معرضون عن الذكر الحكيم . يا للعجب ! يقترب الحساب ، والناس عنه غافلون ، وله ناسون وتاركون ، شغلتهم أموالهم وأهلوهم ، وهم معرضون ومضربون عما فيه خيرهم ، وبه سعادتهم في الدنيا والآخرة إن هذا لعجيب ! ! هذا أمر في الناس جميعا ، وداء أصاب العالم أجمع ، ولكن الأوصاف الآتية تجعلنا نتجه بالكلام ناحية المشركين المعاصرين للنبي خاصة فهم الذين لا يأتيهم ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون . نعم ما يأتيهم ذكر وقرآن من ربهم محدث يتلوه جبريل على النبي سورة بعد سورة وآية بعد آية ، فالقرآن نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منجما تبعا للحوادث ، والقرآن أي : هذا الصوت الذي يسمع بالأذن ، والحروف التي ترى بالعين هو حادث بلا شك ، وأما القرآن بمعنى كلام اللّه - سبحانه - النفسي فهو قديم قدم باقي الصفات القدسية . وقيل : الذكر هو ما يذكرهم به المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ويعظهم به ، وكونه من ربهم فهو موافق لقوله تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
[ سورة النجم آية 3 ] ولا شك أن ذكره ووعظه حادث
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ
[ سورة الغاشية آية 21 ] . ما يأتيهم من ذكر ربهم محدث في حال من الأحوال إلا في حال استماعهم وهم يلعبون ويلهون . لاهية قلوبهم ، ومعرضة عن ذكر اللّه ، متشاغلة بالدنيا وزخرفها الكاذب عن الدين وعن ذكر اللّه الذي به تطمئن القلوب ، وتهدأ النفوس . وأسروا النجوى ، وهل النجوى تكون في غير السر ؟ إنها لا تكون إلا سرا ، والمراد أنهم كتموا التناجي قاصدين ، وبالغوا في إخفائه ليبحثوا عما يطفئون به نور اللّه ، ويبطلون به رسالة رسول اللّه ! ولكن هيهات لهم ذلك !