تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
بلسان الحال لا بلسان المقال فاعتبروا يا أولى الأبصار واضرب لهم رجلين مثلا هذا بيانه : جعلنا لأحدهما وهو الكفار بستانين من الكروم المتنوعة ، وجعلنا النخل محيطة بهما ، وجعلنا وسطها زروعا حتى يجمعا بين القوت والفاكهة وهما بهذا الوضع لهما الشكل الأنيق ، والوضع السليم . كلتا الجنتين آتت أكلها كاملا غير منقوص شيئا ، وقد فجر اللّه وسط كل حديقة نهرا على حدة ليسقيها بلا تعب ومشقة ، ويزيدهما بهاء وروعة ، وكان لهذا الكافر ثمر ومال من غيرهما إذ كان من الأثرياء الكبار . فقال يوما لصاحبه : وهو يحاوره ويجادله شأن كل غنى مغرور مع مؤمن فقير صالح ، وقد روى أنهم أخوان ورثا مالا أما الكافر فاستغله في أرض ودار وزوجة وخدم وحشم وأما المؤمن فأنفق نصيبه في سبيل اللّه . يا أخي : أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا وأكثر خدما وولدا ، ودخل مع صاحبه جنته الواسعة العريضة ، الجنة ذات الجناحين الجنة التي ليس له غيرها إذ هي متاعه في الدنيا وليس له في الآخرة من نصيب ، دخلها وهو ظالم لنفسه معجب بما أوتى ، مفتخر به كافر بالنعمة ، معرض بذلك نفسه لسخط اللّه وهو أفحش أنواع الظلم : وماذا قال ؟ قال لطول أمله وشدة حرصه ، وتمام عقله ، وكثرة غروره بها قال : ما أظن أن تبيد وتفنى هذه الجنة أبدا ، وما أظن الساعة قائمة فيما سيأتي ، وأقسم لئن رجعت إلى ربي على سبيل الفرض ، أو كما يزعم صاحبنا المؤمن لأجدن جنة خيرا من هذه الجنة مرجعا وعافية ، وأقسم لقد سمعنا من جهلتنا المنتسبين للإسلام مثل هذا القول « غنى الدنيا غنى الآخرة » فهم لسوء فهمهم يظنون أن اليسار والغنى إنما يعطى في الدنيا لاستحقاقه ذلك
إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً
. وما علم هذا المغرور أن الدنيا لا تزن عند اللّه جناح بعوضة وإلا ما سقى الكافر منها جرعة ماء ، وإن الإنسان قد يعطى استدراجا . وماذا قال له أخوه المؤمن ؟ قال وهو يحاوره : يا أيها الإنسان : أكفرت بالذي خلق أباك الأول من تراب ثم خلقك أنت من نطفة ثم سواك فعدلك رجلا سويا ؟ ! أبعد هذا تقول : ما أظن الساعة قائمة
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
الآية من سورة الحج .