وهم بدءوكم بالقتال أولا ، وقد قيل : الشر بالشر والبادئ أظلم ، وقد كان منهم كل ذلك إذ نقضت قريش العهد وأعانت بنى بكر على خزاعة ، وقتلوا منهم كثيرا حتى استنجدوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد أخرجوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من بلدة مكة وأخرجوا غيره من المهاجرين ، وبدءوا بالقتال يوم بدر .
ثم قال هذه الحجج : أتخشونهم ؟ وتتركون قتالهم خشية وخوفا إن كانت الخشية هي المانعة فاللّه أحق بها إن كنتم مؤمنين ، إذ شرط الإيمان الخوف من اللّه وحده وخشيته دون سواه .
وهذا الاستفهام يفيد الإنكار والتوبيخ ولكن للمنافقين ولمن كانوا يعظمون أمر القتال ويرون أنه لا يليق برحمة الإسلام وعطفه على الناس . . ثم بعد هذا البيان الكامل أمرهم بالقتال فقال : قاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم ، فاللّه هو الفاعل حقيقة وأنتم باشرتم العمل في الظاهر
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
إن تقاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم ، ويخزهم بالقتل والأسر والهزيمة ، وينصركم عليهم نصرا مؤزرا ما دمتم تنصرون اللّه بطاعته ، ويشف صدور قوم مؤمنين كانت قد ملئت غيظا وألما من أفعال المشركين بهم في مكة ، وقيل : هم خزاعة شفى اللّه صدرها بحرب المسلمين لقريش وأحلافهم ، ويذهب غيظ قلوبهم بما كابدوا من المكاره والمكايد .
ولقد أنجز اللّه وعده ، وصدق عبده ونصر جنده وهزم الأحزاب وحده ، وهذا تحريض للقتال بأسلوب بليغ مع تبليغ أن النصر للمسلمين .
ويتوب اللّه بعد ذلك على من يشاء من عباده حسب مشيئته المبنية على الحكم البالغة ، ولا غرابة فاللّه عليم بخلقه لا تخفى عليه خافية ، حكيم لا يفعل إلا ما فيه الخير والحكمة لعباده . . .
اختيار المسلمين وتمحيصهم [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 16 ]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 16 )