تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥

سبب النزول :

نزلت الآية في صلح الحديبية ، لما صد المشركون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن البيت الحرام ، وصالحوه على أن يرجع في عامه القابل ، ويخلوا مكة له ثلاثة أيام للنسك والطواف . فلما كان العام القابل تجهز النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه لعمرة القضاء ، وخافوا ألا تفي لهم قريش وأن تصدهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم كما فعلوا في العام السابق ، وكره الصحابة قتالهم في الحرم والأشهر الحرم فأنزل اللّه هذه الآية .

المعنى :

أيها المؤمنون : قاتلوا في سبيل اللّه فإني أذنت لكم في قتال المشركين :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
[ سورة الحج الآية 39 ] . فإنهم فتنوكم عن دينكم وأخرجوكم من دياركم ، وقاتلوكم ونكثوا عهودهم ، وقاتلوهم على أنه دفاع في سبيل اللّه للتمكن من عبادته في بيته ، ولتربية هؤلاء المفتونين والمغرورين ، ولا تعتدوا بالقتال فتبدأوهم ، ولا تعتدوا في القتال بأن تقتلوا الصغار والعجزة والشيوخ أو من ألقى إليكم السلاح ، إن اللّه لا يحب الخير للمعتدين فكيف بمن يعتدى في الحرم والأشهر الحرم ؟ اقتلوهم إذا نشب القتال بينكم أينما أدركتموهم على أي حال كما سيأتي في الآية قريبا ، وأخرجوهم من مكة حيث أخرجوكم ، وظاهروا على إخراجكم ، أليست فتنتهم إياكم في الحرم عن دينكم بالإيذاء والتعذيب ومصادرة الأموال والإخراج من الوطن أشد قبحا من القتال في الحرم ؟ ! إذ لا بلاء أشد على نفس الحر من الإيذاء والاضطهاد لأجل عقيدة تمكنت في قلبه ، واستحوذت على عقله ورأى السعادة في الدنيا والآخرة موقوفة عليها ، وحقا : الفتنة أشد من القتل . ثم استثنى القرآن الكريم من وجوب قتال هؤلاء المحاربين في كل زمان ومكان قتالهم في المسجد الحرام لأن من دخله كان آمنا ، فإن قاتلوكم فقاتلوهم ، ولا تستسلموا لهم أبدا ؛ فالشر بالشر والبادي أظلم ، وكذلك جزاء الكافرين . فإن انتهوا عن القتال وكفوا عنه ، أو دخلوا في دين اللّه ، فإن اللّه غفور لهم ، رحيم يمحو من العبد ما سلف إذا هو تاب وأناب .