من جهة أخرى لا يمكن تصوّر وجودين غير محدودين في العالم ، إذ لو كان ثمّة وجودان لكان كل واحد منهما فاقداً حتماً لكمالات الآخر ، أي لا يملك كمالاته ، ومن هنا فكلاهما محدودان ، وهذا دليل واضح على وحدانية ذات واجب الوجود ( تأمّل بدقّة ) .
2 - البرهان العلمي : عندما ننظر إلى الكون الذي يحيط بنا ، نلاحظ في البداية موجودات متفرقة . . . الأرض والسماء والشمس والقمر والنجوم وأنواع النباتات والحيوانات ، وكلّما ازددنا إمعاناً في النظر ألفينا مزيداً من الترابط والانسجام بين أجزاء هذا العالم وذراته ، وظهر لنا أنّه مجموعة واحدة تتحكم فيها جميعاً قوانين واحدة .
هذه الوحدة في نظام الوجود ، والقوانين الحاكمة عليه ، والانسجام التام بين أجزائه كلّها ظواهر تشهد على وحدانية الخالق .
3 - برهان التمانع : ( الدليل العلمي الفلسفي ) ، وهو دليل آخر على إثبات وحدانية اللَّه ، مستلهم من قوله سبحانه : « لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ » « 1 » .
4 - دعوة الأنبياء إلى اللَّه الواحد الأحد : وهو دليل آخر على وحدانية اللَّه ، إذ لو كان هناك خالقان كل واحد منهما واجب الوجود في العالم ، لاستلزم أن يكون كل واحد منهما منبعاً للفيض ، فلا يمكن لوجود ذي كمال مطلق أن يبخل في الإفاضة لأنّ عدم الفيض نقص بالنسبة للوجود الكامل ، وحكمته تستوجب أن يشمل الجميع بفيضه .
أمير المؤمنين علي عليه السلام يقول لابنه الحسن المجتبى عليه السلام وهو يوصيه : « واعلم يا بني أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ، ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه » « 2 » .
الثاني : فروع دوحة التوحيد : تذكر للتوحيد عادة أربعة فروع :
1 - توحيد الذات : ( وهو ما شرحناه أعلاه ) .
2 - توحيد الصفات : أي إنّ صفات اللَّه ليست زائدة على ذاته ، وليست منفصلة عن بعضها ، بل هو وجود كلّه علم ، وكلّه قدرة ، وكلّه أزلية وأبدية .
ولو لم يكن ذلك لإستلزم التركيب ، وإن كان مركباً لاحتاج إلى الأجزاء والمحتاج لا يكون واجباً للوجود .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء / 22 .
( 2 ) نهج البلاغة ، الرسالة 31 .