تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
فإنّ هذه الآية تعبير بالغ عن خوف المشركين وفرارهم من الآيات القرآنية المربية للروح ، فشبههم بالحمار الوحشي لأنّهم عديمو العقل والشعور ، وكذلك لتوحشّهم من كل شيء ، في حين أنّه ليس مقابلهم سوى التذكرة . « بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً » . وذلك لتكبّرهم وغرورهم الفارغ بحيث يتوقعون من اللَّه تعالى أن ينزل على كل واحد منهم كتاباً . وهذا نظير ما جاء في الآية ( 93 ) من سورة الإسراء : « وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ » . ولذا يضيف في الآية الأخرى : « كَلَّا » . ليس كما يقولون ويزعمون ، فإنّ طلب نزول مثل هذا الكتاب وغيره هي من الحجج الواهية ، والحقيقة : « بَل لَّايَخَافُونَ الْأَخِرَةَ » . والحق يقال إنّ الإيمان بعالم البعث والجزاء وعذاب القيامة يهب للإنسان شخصية جديدة يمكنه أن يغير إنساناً متكبراً ومغروراً وظالماً إلى إنسان مؤمن متواضع ومتقٍ عادل . ثم يؤكّد القرآن على أنّ ما يفكرون به فيما يخصّ القرآن هو تفكّر خاطىء : « كَلَّا إِنَّه‌ُتَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ » . وفي الوقت نفسه لا يمكن ذلك إلّابتوفيق من اللَّه وبمشيئته تعالى : « وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ » . يعني أنّ الإنسان لا يمكنه الحصول على طريق الهداية إلّابالتوسل باللَّه تعالى وطلب الموفقية منه . وفي النهاية يقول : « هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ » . فهو أهل لأن يخافوا من عقابه وأن يتقوا في اتّخاذهم شريكاً له تعالى شأنه ، وأن يأملوا مغفرته ، وفي الحقيقة ، أنّ هذه الآية إشارة إلى الخوف والرجاء والعذاب والمغفرة الإلهية ، وهي تعليل لما جاء في الآية السابقة . وهناك احتمالًا آخر ، وهو أن تؤخذ التقوى بمعناها الفاعلي ، أي أنّ اللَّه أهل للتقوى من كل أنواع الظلم والقبح ومن كل ما يخالف الحكمة ، وما عند العباد من التقوى هو قبس ضعيف من ما عند اللَّه . إنّ الآية قد بدأت بالإنذار والتكليف ، وانتهت بالدعوة إلى التقوى والوعد بالمغفرة . « نهاية تفسير سوره المدّثّر »
مختصر الامثل — صفحة 316 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي