تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
ثم يوجّه الباريء عزّ وجل الخطاب لنبيّه الكريم ويقول : « فَذَرْنِى وَمَن يُكَذّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ » . وهذه اللهجة تمثّل تهديداً شديداً من الواحد القهار لهؤلاء المكذبين المتمردين ، حيث يخاطب الرسول صلى الله عليه وآله بقوله : لا تتدخّل ، واتركني مع هؤلاء ، لُاعاملهم بما يستحقّونه . ثم يضيف سبحانه : « سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَايَعْلَمُونَ * وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ » . في تفسير مجمع البيان عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « إذا أحدث العبد ذنباً ، جدّد له نعمة فيدع الاستغفار فهو الإستدراج » . إذا أذنب عبد فإنّه لا يخرج من واحدة من الحالات الثلاث التالية : إمّا أن ينتبه ويرجع عن خطئه ويتوب إلى ربّه . أو أن ينزل اللَّه عليه العذاب ليعود إلى رشده . أو أنّه غير أهل للتوبة ولا للعودة للرشد بعد التنبيه له ، فيعطيه اللَّه نعمة بدل البلاء وهذا هو : ( عذاب الإستدراج ) . لذا يجب على الإنسان المؤمن أن يكون يقظاً عند إقبال النعم الإلهية عليه ، وليحذر من أن يكون ما يمنحه اللَّه من نعم ظاهرية يمثّل في حقيقته ( عذاب الإستدراج ) . ولذلك فإنّ المسلمين الواعين يفكّرون في مثل هذه الأمور ويحاسبون أنفسهم باستمرار ، ويعيدون تقييم أعمالهم دائماً ، كي يكونوا قريبين من طاعة اللَّه ، ويؤدّون حق الألطاف والنعم التي وهبها اللَّه لهم . في الكافي عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام : إنّي سألت اللَّه عزّ وجل أن يرزقني مالًا فرزقني ، وإنّي سألت اللَّه أن يرزقني ولداً فرزقني ، وسألته أن يرزقني داراً فرزقني ، وقد خفت أن يكون ذلك استدراجاً ، فقال : « أما - واللَّه - مع الحمد فلا » . أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 46 ) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 47 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ( 48 ) لَوْ لَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ( 49 ) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 50 ) استمراراً للاستجواب الذي تمّ في الآيات السابقة للمشركين والمجرمين ، يضيف الباريء عزّ وجل سؤالين آخرين ، حيث يقول في البداية : « أَمْ تَسَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ » . أي : إذا كانت حجّتهم أنّ الاستجابة لدعوتك تستوجب أجراً مادياً كبيراً ، وأنّهم غير
مختصر الامثل — صفحة 242 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي