وتتساءل الآية الكريمة عن هؤلاء مستفسرة عمّن يستطيع الإدّعاء منهم بأنّه قد أخذ عهداً من اللَّه سبحانه في الاستجابة لميوله وأهوائه .
ويضيف سبحانه - استمراراً لهذه التساؤلات - كي يسدّ عليهم جميع الطرق ومن كل الجهات ، فيقول : « سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذلِكَ زَعِيمٌ » . فمن منهم يضمن أنّ المسلمين والمجرمين سواء ، أو يضمن أنّ اللَّه تعالى سيؤتيه كل ما يريد ؟ ! وفى آخر مرحلة من هذا الإستجواب العجيب يقول تعالى : أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كَانُوا صَادِقِينَ » .
فالآية تطلب من المشركين تقديم الدليل الذي يثبت أنّ هذه الأصنام المنحوتة من الحجارة ، والتي لا قيمة لها ولا شعور ، تكون شريكة اللَّه تعالى وتشفع لهم عنده .
يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ( 42 ) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ( 43 ) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ( 44 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 45 ) العجز عن السجود : تعقيباً للآيات السابقة التي استجوب اللَّه تعالى فيها المشركين والمجرمين استجواباً موضوعياً ، تكشف لنا هذه الآيات جانباً من المصير البائس في يوم القيامة لهذه الثلّة المغرمة في حبّها لذاتها ، والمكثرة للادّعاءات ، هذا المصير المقترن بالحقارة والذلّة والهوان . يقول تعالى : « يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ » .
وفي ذلك اليوم العظيم يدعى الجميع إلى السجود للباريء عزّ وجل ، فيسجد المؤمنون ، ويعجز المجرمون عن السجود .
وتعكس الآية اللاحقة صورة جديدة لحالتهم ، حيث يقول سبحانه : « خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ » .
هذه الآية الكريمة تصف لنا حقيقة المجرمين عندما يدانون في إجرامهم ويحكم عليهم ، حيث نلاحظ الذلّة والهوان تحيط بهم ، وتكون رؤوسهم مطأطئة تعبيراً عن هذه الحالة المهينة .
ثم يضيف تعالى : « وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ » . إنّهم لن يسجدوا أبداً ، لقد صحبوا روح التغطرس والعتوّ والكبر معهم في يوم القيامة فكيف سيسجدون ؟
مختصر الامثل — صفحة 241
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٤١