تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى أَفَلَا تُبْصِرُونَ » . وبهذا فقد عظّم فرعون القيم المبتدعة السيئة ، وجعل المال والمقام والجاه هي معايير الإنسانية ، كما هو الحال بالنسبة إلى عبدة الأصنام في عصر الجاهلية في موقفهم أمام نبي الخاتم صلى الله عليه وآله . ثم يضيف : « أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ » . وبهذا يكون قد خص نفسه بافتخارين عظيمين - حكومة مصر ، وملك النيل - وذكر لموسى نقطتي ضعف : الفقر ولكنة اللسان . هذا في الوقت الذي لم يكن بموسى أيّة لكنة في اللسان ، لأنّ اللَّه تعالى قد استجاب دعاءه ، ورفع عنه عقدة لسانه ، لأنّه سأل ربّه عند البعثة أن : « وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى » « 1 » . ومن المسلّم أنّ دعاءه قد استجيب ، والقرآن شاهد على ذلك أيضاً . ثم تشبث فرعون بذريعتين أخريين ، فقال : « فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلِكَةُ مُقْتَرِنِينَ » . إنّ الفراعنة كانوا يعتقدون أنّ الرؤساء يجب أن يزينوا أنفسهم بالأساور والقلائد الذهبية ، ولذلك فإنّهم يتعجبون من موسى إذ لم يكن معه مثل آلات الزينة هذه ، وهذا هو حال المجتمع الذي يكون معيار تقييم الشخصية في نظره الذهب والفضة وأدوات الزينة . أمّا أنبياء اللَّه فإنّهم بطرحهم هذه المسائل - بالذات - جانباً كانوا يريدون أن يبطلوا هذه المقاييس الكاذبة ، وأن يزرعوا محلّها القيم الإنسانية الأصيلة - أي العلم والتقوى والطهارة - لأنّ نظام القيم إذا لم يُصلح في مجتمع فسوف لن يرى ذلك المجتمع وجه السعادة أبداً . وتشير الآية التالية إلى نكتة لطيفة ، وهي : إنّ فرعون لم يكن غافلًا عن واقع الأمر تماماً ، وكان ملتفتاً إلى أن لا قيمة لهذه القيم والمعايير ، إلّاأنّه : « فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ » . إنّ طريقة كل الحكومات الجبارة الفاسدة من أجل الاستمرار في تحقيق أهدافها وأنانياتها ، هي الإبقاء على الناس في مستوى متردٍ من الفكر والثقافة والوعي ، وتسعى إلى تركهم حمقى لا يعون ما حولهم باستخدام أنواع الوسائل ، لأنّ يقظتها ووعيها ، وتنامي رشدها الفكري يشكل أعظم خطر على الحكومات ، ويعتبر أكبر عدو للحكومات المستبدة . والطريف أنّ الآية المذكورة تنتهي بجملة : « إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ » إشارة إلى أنّ
هامش
( 1 ) سورة طه / 27 .