تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
وقد أريناهم بعد معجزتي العصا واليد البيضاء معاجز الطوفان والجراد والقمل والضفادع وغيرها . ثم تضيف الآية : « وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » . إنّ هذه الحوادث وإن كانت تنبه هؤلاء بصورة مؤقتة ، فيلجأون إلى موسى ، غير أنّهم بمجرد أن تهدأ العاصفة ينسون كل شيء ، ويجعلون موسى غرضاً لسهام أنواع التهم ، كما نقرأ ذلك في الآية التالية : « وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ » . أي تعبير عجيب هذا ! فهم من جانب يسمّونه ساحراً ، ومن جانب آخر يلجأون إليه لرفع البلاء عنهم ، ومن جانب ثالث يعدونه بتقبل الهداية . إنّ موسى رغم كل هذه التعبيرات اللاذعة والمحقرة لم يكفّ عن السعي لهدايتهم مطلقاً ، ولم ييأس بسبب عنادهم وتعصبهم ، بل استمرّ في طريقه ، ودعا ربّه مرات كي تهدأ عواصف البلاء ، وهدأت ، لكنّهم كما تقول الآية التالية : « فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ » . كل هذه دروس حيّة وبليغة للمسلمين ، وتسلية للنبي صلى الله عليه وآله لكي لا ينثنوا مطلقاً أمام عناد المخالفين وتصلبهم . وهي أيضاً تحذير للأعداء اللجوجين المعاندين ، بأنّهم ليسوا أقوى من فرعون وآل فرعون ولا أشد ، فلينظروا عاقبة أمر أولئك ، وليتفكروا في عاقبتهم . وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلَا تُبْصِرُونَ ( 51 ) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ( 52 ) فَلَوْ لَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ( 53 ) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ( 54 ) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ( 55 ) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ ( 56 ) إذا كان نبيّاً فلم لا يملك أسورة من ذهب : لقد ترك منطق موسى عليه السلام من جهة ، ومعجزاته المختلفة من جهة أخرى ، وزعزعت أفكار الناس واعتقادهم بفرعون . هنا أراد فرعون بسفسطته ومغالطته أن يمنع نفوذ موسى عليه السلام عن التأثير في أفكار شعب مصر ، كما يذكر ذلك القرآن الكريم حيث يقول : « وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِى
مختصر الامثل — صفحة 412 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي