تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
ومحمّد صلى الله عليه وآله - من ذرّيته ، وهذا دليل على صدق تنبؤ القرآن في هذا الباب . والآية التالية جواب عن سؤال وهو : في مثل هذه الحال لِمَ لا يعذّب اللَّه مشركي مكة ؟ ألم نقرأ في الآيات السابقة : « فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ » . فتقول الآية مجيبة : « بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلَاءِ وَءَابَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ » . فنحن لم نكتف بحكم العقل ببطلان الشرك والوثنيّة ، ولا بحكم وجدانهم بالتوحيد ، بل أمهلناهم لإتمام الحجّة عليهم حتى يقوم هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهذا النبي العظيم محمّد صلى الله عليه وآله بهدايتهم . إلّا أنّ العجيب أنّه : « وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ » . وَقَالُوا لَوْ لَا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) لمَ لم ينزل القرآن على أحد الأغنياء : كان الكلام في الآيات السابقة في ذرائع المشركين في مواجهة دعوة الأنبياء ، فكانوا يتّهمونهم بالسحر تارة ، ويتوسلون تارة أخرى بتقليد الآباء وينبذون كلام اللَّه وراء ظهورهم ، وتشير الآيات - مورد البحث - إلى حجّة واهية أخرى من حجج أولئك المشركين ، فتقول : « وَقَالُوا لَوْلَا نُزّلَ هذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » . أي : مكة والطائف . لقد كانوا معذورين بتشبثهم بمثل هذه الذريعة من جهة ، إذ كان المعيار في تقييمهم للبشر هو المال والثروة والمقام الظاهري والشهرة . وهذا هو السبب في بلاء المجتمعات البشرية العظيم ، والعامل الأساس في انحرافها الفكري ، حيث تقلب الحقائق تماماً في بعض الأحيان . ويردّ القرآن الكريم بأجوبة قاطعة على هذا النمط من التفكير المتسافل الخرافي ، ويجسد النظرة الإلهية الإسلامية تماماً ، فيقول : « أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبّكَ » . فيمنحوا النبوّة من يشاؤون ، وينزلوا عليه الكتاب السماوي . فضلًا عن ذلك ، فإنّ وجود التفاوت والاختلاف بين البشر من ناحية مستوى المعيشة ، لا يدلّ على تفاوتهم في المقامات والمنازل المعنويّة مطلقاً ، بل : « نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ