تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
إنّ هذا التعبير قد يكون إشارة إلى أنّ هؤلاء كانوا يعتقدون بالجبر ، وأنّ كل ما يصدر منا فهو بإرادة اللَّه ، وكل ما نفعله فهو برضاه . وتجيب الآية في النهاية على هذا الاستدلال الواهي لعبدة الأصنام ، فتقول : « مَّا لَهُم بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ » . إنّ هؤلاء لا علم ولا إيمان لهم حتى بمسألة الجبر أو رضى اللَّه سبحانه عن أعمالهم ، بل هم - ككثير من متبعي الهوى والمجرمين الآخرين - يتخذون مسألة الجبر ذريعة لهم من أجل تبرئة أنفسهم من الذنب والفساد ، فيقولون : إنّ يد القضاء والقدر هي التي جرتنا إلى هذا الطريق وحتمته علينا . « يخرصون » : من « الخرص » ، وهو في الأصل بمعنى التخمين ، وأطلقت هذه الكلمة أوّلًا على تخمين مقدار الفاكهة ، ثم أطلقت على الحدس والتخمين ، ولمّا كان الحدس والتخمين يخطئ أحياناً ولا يطابق الواقع ، فقد استعملت هذه الكلمة بمعنى الكذب أيضاً ، و « يخرصون » في هذه الآية من هذا القبيل . وتشير الآية التالية إلى دليل آخر يمكن أن يكونوا قد استدلوا به ، فتقول : « أَمْ ءَاتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ » . أي : يجب على هؤلاء أن يتمسّكوا بدليل العقل لإثبات هذا الإدّعاء ، أو بدليل النقل ، في حين لم يكن لهؤلاء دليل لا من العقل ولا من النقل ، فإنّ كل الأدلّة العقلية تدعو إلى التوحيد ، وكذلك دعا كل الأنبياء والكتب السماوية إلى التوحيد . وأشارت آخر آية - من هذه الآيات - إلى ذريعتهم الأصلية ، وهي في الواقع خرافة لا أكثر ، أصبحت أساساً لخرافة أخرى ، فتقول : « بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ » . لم يكن لهؤلاء دليل إلّاالتقليد الأعمى للآباء والأجداد ، والعجيب أنّهم كانوا يظنون أنّهم مهتدون بهذا التقليد ، في حين لا يستطيع أي إنسان عاقل حر أن يستند إلى التقليد في المسائل العقائدية والأساسية التي يقوم عليها بناؤه الفكري ، خاصة إذا كان التقليد تقليد « جاهل لجاهل » . وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ( 23 ) قَالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ( 24 ) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 25 )