تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
إنّ الآية الكريمة هذه ترسم ثلاث صفات لذي القول الحسن هي : الدعوة إلى اللَّه ، والعمل الصالح ، والتسليم حيال الحق . بعد بيان الدعوة إلى اللَّه وأوصاف الدعاة إلى اللَّه ، شرحت الآيات أسلوب الدعوة وطريقتها ، فقال تعالى : « وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيّئَةُ » . في الوقت الذي لا يملك فيه أعداؤكم سوى سلاح الافتراء والاستهزاء والسخرية والكلام البذيء وأنواع الضغوط والظلم ؛ يجب أن يكون سلاحكم - أنتم الدعاة - التقوى والطهر وقول الحق واللين والرفق والمحبة . وبالرغم من أنّ ( الحسنة ) و ( السيّئة ) تنطويان على مفهومين واسعين ، إذ تشمل الحسنة كل إحسان وجميل وخير وبركة ، والسيئة تشمل كل انحراف وقبح وعذاب ، إلّاأنّ الآية تقصد ذلك الجانب المحدّد من السيّئة والحسنة ، الذي يختص بأساليب الدعوة . ثم تضيف الآية : « ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ » . إدفع الباطل بالحق ، والجهل والخشونة بالحلم والمداراة ، وقابل الإساءة بالإحسان ، فلا ترد الإساءة بالإساءة ، والقبح بالقبح ، لأنّ هذا أسلوب من همّه الانتقام ، ثم إنّ هذا الأسلوب يقود إلى عناد المنحرفين أكثر . وتشير الآية في نهايتها إلى فلسفة وعمق هذا البرنامج في تعبير قصير ، فتقول : إنّ هذا التعامل سيقود إلى : « فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ » . « ولي » : هنا بمعنى الصديق ؛ و « حميم » : تعني في الأصل الماء الحار المغلي ، ويقال للأصدقاء المخلصين والمحبين للشخص « حميم » والآية تقصد هذا المعنى . إنّ هذا الأسلوب من التعامل مع المعارضين والأعداء ليس بالأمر العادي السهل ، والوصول إليه يحتاج إلى بناء أخلاقي عميق ، لذلك فإنّ الآية التي بعدها تبيّن الأسس الأخلاقية لمثل هذا التعامل في تعبير قصير ينطوي على معاني كبيرة ، حيث يقول تعالى : « وَمَا يُلَقهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا » . وكذلك : « وَمَا يُلَقهَا إِلَّا ذُو حَظّ عَظِيمٍ » . إنّ هناك - بلا شك - موانع تحول دون الوصول إلى هذا الهدف العظيم ، وإنّ وساوس الشيطان تمنع الإنسان من تحقيق ذلك بوسائل مختلفة ، لذلك نرى الآية الأخيرة تخاطب الرسول صلى الله عليه وآله بوصفه الأسوة والقدوة فتقول له : « وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطنِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . « نزغ » : تعني الدخول في عملٍ ما لإفساده ، ولهذا السبب يطلق على الوساوس
مختصر الامثل — صفحة 356 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي