تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
أفضل من الأخرى والمتماثل من حيث اللطف والجمال والعمق في البيان . وهذا بالضبط على عكس العبارات التي يصوغها الإنسان ، والتي مهما اعتنى بصياغتها فإنّها لن تخلو من الأخطاء والاختلافات والتناقضات ، ودراسة آثار الكتّاب الكبار المعروفين في مجالي النثر والشعرهي خير شاهد على هذا الموضوع . أمّا الخاصية الثانية فهي : « مَّثَانِىَ » - أي المكرر - وهذه الكلمة تشير إلى تكرار بحوثه المختلفة وقصصه ومواعظه ، التكرار الذي لا يملّ منه الإنسان ، وإنّما على العكس من ذلك ، إذ يتشوّق لتلاوته أكثر ، وهذه إحدى أسس الفصاحة . أمّا الخاصية الثالثة فهي : « تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ » . وهذه الخاصية للقرآن فتتجلّي في مسألة نفوذه وتأثيره العميقين والخارقين في اعماق النفوس ؛ « تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ » . إنّه لوصف وتجسيد لطيف وجميل لنفوذ آيات القرآن العجيب إلى أعماق القلوب ، إذ أنّه في بداية الأمر يبعث في القلب شيئاً من الخوف والرهبة ، الخوف الذي يكون أساساً للصحوة ولبدء الحركة ، والرهبة التي تجعل الإنسان يتحسس مسؤولياته المختلفة ، ثم تأتي مرحلة الهدوء وقبول آيات اللَّه وتتبعها السكينة والاستقرار . في تفسير مجمع البيان روي عن العباس بن عبد المطلب أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال : « إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية اللَّه ، تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها » . وفي نهاية الآية يقول تعالى بعد أن بيّن تلك الخصائص : « ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ » . حقاً إنّ القرآن نزل لهداية الجميع ، لكن المتقين وطلّاب الحق والحقيقة هم المستفيدون - فقط - من نوره ، أمّا أولئك الذين تعمّدوا إغلاق كافة نوافذ قلوبهم أمام نور القرآن الكريم ، والذين تتحكم بأرواحهم ظلمات التعصب والعناد - فقط - لا يستفيدون من نور القرآن ، وإنّما يزدادون ضلالة من جرّاء عنادهم وعدائهم ، لذلك فإنّ تتمة الآية تقول : « وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ » . فهذه الضلالة هي التي يضع الإنسان حجر أساسها بيده ، ويحكم بناء أساسها بواسطة أعماله الخاطئة والسيئة ، ولذلك لا تتنافى اطلاقاً مع إرادة الإنسان وحريته . الآية التالية تقارن بين مجموعة من الظالمين والمجرمين ، ومجموعة من المؤمنين الذين