تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
فيقول تعالى : « وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ » . هناك مسألة مهمّة تعدّ مصدراً لكل الحقوق ، وهي : ما الهدف من وجود الخلق ؟ فعندما ننظر إلى هذا العالم الوسيع ، ونوافق على أنّ هذا العالم الوسيع لم يخلقه اللَّه عبثاً ، نتابع الهدف من وراء ذلك الخلق ، الهدف الذي يمكن إيجازه في كلمات قصيرة وعميقة ، وهي ( التكامل ) و ( التعليم ) و ( التربية ) ومن هنا نستنتج أنّ الحكومات عليها أن تسير وفق هذا الخطّ ، فعليها أن تثبت أسس التربية والتعليم لتكون أساس التكامل المعنوي عند الإنسان . الآية التالية تضيف : « أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ » . كما أنّ عدم وجود هدف من خلق العالم يعدّ أمراً مستحيلًا ، فمن المستحيل أيضاً المساواة بين الصالحين والطالحين ، لأنّ المجموعة الأولى كانت تخطو خطواتها وفق أهداف خلق العالم للوصول إلى الغاية النهائية ، بينما كانت المجموعة الثانية تسير بإتّجاه مخالف لمسير المجموعة الأولى . وبعبارة أخرى : فلإثبات مسألة المعاد - أحياناً - يمكن الاستدلال عليها عن طريق برهان ( الحكمة ) وأحياناً أخرى عن طريق برهان ( العدالة ) ، فالآية السابقة استدلال بالحكمة ، والآية التي بعدها استدلال بالعدالة . الآية الأخيرة في بحثنا هذا تشير إلى موضوع يوضّح - في حقيقة الأمر - الهدف من الخلق ، إذ جاء في الآية الكريمة : « كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَابِ » . فتعليماته خالدة ، وأوامره عميقة وأصيلة ، ونظمه باعثة للحياة وهادية للإنسان إلى الطريق المؤدّي إلى اكتشاف هدف الخلق . فالهدف من نزول هذا الكتاب العظيم لم يقتصر - فقط - على تلاوته وتلفّظ اللسان به ، بل لكي تكون آياته منبعاً للفكر والتفكّر وسبباً ليقظة الوجدان ، لتبعث بدورها الحركة في مسير العمل . وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 30 ) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ( 31 ) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ( 32 ) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ( 33 )