تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
أعتابها النهائية ، حيث إنّ آيات بحثنا هذا هي آخر الآيات الواردة في هذه السورة بشأن داود ، إذ تخاطبه بلهجة حازمة وبعبارات مفعمة بالمعاني ، شارحة له وظائفه ومسؤولياته الجسيمة بعد أن وضّحت مقامه الرفيع ، إذ تقول : « يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الْأَرْضِ » . محتوى هذه الآية التي تتحدث عن مقام داود الرفيع والوظائف المهمّة التي كلّف بها ، تبيّن أنّ القصص الخيالية والكاذبة التي نسجت بشأن زواج داود من زوجة ( أوريا ) كلّها كاذبة ولا أساس لها من الصحة . فهل يمكن أن ينتخب الباريء عزّ وجل شخصاً ينظر إلى شرف المؤمنين والمقربين منه بعين خؤونة ويلوّث يده بدم الأبرياء ، خليفة له في الأرض ، ويمنحه حكم القضاء المطلق ؟ ! هذه الآية تضمّ خمس جمل كل واحدة منها تتحدث عن حقيقة معيّنة : الأولى : خلافة داود في الأرض . هذه الآية تبيّن أنّ الحكومة في الأرض يجب أن تستلهم شرعيّتها من الحكومة الإلهية ، وأيّ حكومة لا تستلهم شرعيّتها من الحكومة الإلهية فإنّها حكومة ظالمة وغاصبة . الجملة الثانية : تأمر داود قائلة : بعد أن منحك اللَّه سبحانه وتعالى هذه النعمة الكبيرة ، أي الخلافة ، فإنّك مكلّف بأن تحكم بين الناس بالحقّ « فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ » . وفي واقع الأمر فإنّ إحدى ثمار خلافة اللَّه هي ظهور حكومة تحكم بالحق . أمّا الجملة الثالثة : فإنّها تشير إلى أهمّ خطر يهدّد الحاكم العادل ، ألا وهو اتّباع هوى النفس « وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى » . نعم ، فهوى النفس ستار سميك يغطّي بصيرة الإنسان ، ويباعد بينه وبين العدالة . لهذا فإنّ الجملة الرابعة تقول : « فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ » . فأينما وجد الضلال كان لهوى النفس ضلع في ذلك ، وأينما اتّبع هوى النفس فإنّ عاقبته الضلال . والجملة الخامسة تشير إلى أنّ كل ضلال عن سبيل اللَّه لا ينفكّ عن نسيان يوم الحساب ، ومن ينسى يوم الحساب فإنّ عذاب اللَّه الشديد ينتظره : « إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ » . وتتمّة للبحث الذي إستعرض حال داود وخلافته في الأرض ، تتطرق الآيات لأهداف خلق عالم الوجود ، كي تشخّص أسباب الحكومة على الأرض التي هي جزء من ذلك العالم ،