تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
فيها نوع من النظم الخيالي ، والهدف الخيالي أيضاً . فالقرآن في هذا الصدد يشرح حال الدنيا وحال الآخرة ، مبيّناً أنّ الحياة الدنيا هي نوع من الانشغال واللعب ، ثم يطوى كل شيء ويغدو في سلة النسيان . أمّا الحياة الحقيقية التي الافناء بعدها ، فهي الحياة الآخرة فحسب . وينبغي الالتفات إلى أنّ المراد من « الحيوان » هو الحياة ، فهذه الكلمة تحمل معنى مصدرياً . وهذا التعبير : « وَإِنَّ الدَّارَ الْأَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ » إشارة إلى أنّ الحياة الحقيقية هي في الأخرى ، لا في هذه الدار الدنيا - فكأنّ الحياة في الأخرى تفور من جميع أبعادها ، ولا شيء هناك إلّاالحياة . وبديهي أنّ القرآن لا يريد أن ينسى وينفي مواهب اللَّه في هذه الدار الدنيا ، بل يريد أن يجسد قيمة هذه الدنيا بالقياس إلى الأخرى قياساً صريحاً وواضحاً . . . وإضافةً إلى كل ذلك فإنّه ينذر الإنسان لئلا يكون أسيراً لهذه المواهب ، بل ينبغي أن يكون أميراً عليها ، ولا يؤثرها على القيم الأصيلة أبداً . وفي المرحلة الثالثة . . . يتجه القرآن نحو الفطرة والجبلّة الإنسانية ، ونحو تجلّي نور التوحيد في أشدّ الأزمات في أعماق روح الإنسان ، وضمن مثالٍ بديع جدّاً وبليغ فيقول : « فَإِذَا رَكِبُوا فِى الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فَلَمَّا نَجهُمْ إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ » . أجل ، إنّ الشدائد والأزمات هي التي تهيء الأرضية لتفتح الاجتماعية « الفطرة » الإنسانية ، لأنّ نور التوحيد مخفي في أرواح الناس جميعاً . إلّا أنّ التعليمات الخاطئة والغفلة والغرور - وخاصة عند السلامة ووفور النعمة - تلقي عليها أستاراً ، غير أنّ طوفان الحوادث يزيل هذه الأستار ، وتتجلى نقطة النور آنذاك . وفي آخر آية - من الآيات محل البحث - وبعد ذكر جميع هذه الدلائل على التوحيد وعبادة اللَّه ، يواجه القرآن المشركين والكفار بتهديد شديد فيقول : إنّ هؤلاء أنكروا آياتنا وكفروا بما رزقناهم من النعم فليتمتعوا بها أيّاماً قلائل : « لِيَكْفُرُوا بِمَا ءَاتَيْنهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ » عاقبة كفرهم وشركهم . أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ( 67 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ( 68 ) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( 69 )