فالقرآن يؤكّد في نهاية الآية قائلًا : « وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » .
يسمع كلامكم كلّه ، ويعرف لسان حالكم ، ولسان حال جميع الدواب ، وهو خبير بحاجات الجميع ، ولا يخفى على علمه الذي لا حدّ له شيء أبداً .
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 61 ) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 62 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ( 63 ) وَمَا هذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 ) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ( 65 ) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 66 )
الإقرار بالتوحيد في الباطن والشرك في الظاهر : كان الحديث في الآيات السابقة موجّهاً إلى المشركين الذين أدركوا حقانيّة الإسلام ، إلّاأنّهم لم يكونوا مستعدين للإيمان والهجرة ، خوفاً من انقطاع الرزق عليهم ، أمّا في هذه الآيات ، فالحديث موجه للنّبي صلى الله عليه وآله ، وفي الواقع لجميع المؤمنين ، وهو يبيّن دلائل التوحيد عن طرق « الخلقة » ، و « الربوبيّة » ، و « الفطرة » ، أي عن ثلاث طرائق متفاوتة ، ويريهم أنّ مصيرهم وعاقبة أمرهم بيد اللَّه الذي يجدون آثاره في الآفاق وفي أنفسهم ، لا بأيدي الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع .
فتبدأ الآية الأولى من هذه الآيات محل البحث ، مشيرةً إلى خلق السماوات والأرض وتستعين باعتقاداتهم الباطنية . . .
فتقول : « وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ » .
لأنّ من المسلم به أنّه لا عبدة الأصنام ولا غيرهم ولا أي أحد آخر يقول : إنّ خالق السماوات والأرض ومسخر الشمس والقمر حفنة من الأحجار والخشب المصنوعة بيد الإنسان .
وبتعبير آخر : لا يشك في « توحيد الخالق » حتى عبدة الأصنام حيث كانوا مشركين في عبادة الخالق ، وكانوا يقولون : إنّما نعبد أوثاناً ليقربونا إلى اللَّه زلفى ، فهم الوسطاء بيننا وبين اللَّه .
مختصر الامثل — صفحة 558
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٥٨