تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 557

مساهمون:

ص٥٥٧
والنهائي مستحيلًا ، فلا سبيل عندئذ إلّا الهجرة . وحيث إنّ البعض بقوا في ديار الشرك ، ولم يرغبوا بالهجرة بذريعة أنّهم يخشون الخروج من ديارهم ويخافون أن يحدق بهم الموت بسبب الأعداء أو الجوع أو العوامل الأخرى التي تهددهم . . . إضافة إلى فراق الأحبّة والمتعلقين والأبناء والأصدقاء ، فإنّ القرآن يردّهم بجواب جامع قائلًا : « كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ » . لا تظنوا أنّ الموت نهاية كل شيء ، لأنّكم جميعاً « إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ » . . . إلى اللَّه العظيم ، وإلى نعمه التي لا حدّ لها ولا انتهاء لأمدها . والآية التالية تبيّن جانباً من هذه النعم فتقول : « وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنهرُ » « 1 » . والامتياز الآخر لغرف الجنة أنّها دائمة « خلِدِينَ فِيهَا » . ويضيف القرآن معقباً في ختام الآية : « نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ » . والمراد بالعاملين هنا مع قرائن الجمل السابقة ، هم الذين يعملون الصالحات المقرونة بإيمانهم ، وإن كانت كلمة العاملين مطلقة . والآية التالية تصف أهمّ ما يتحلّى به المؤمنون العاملون فتقول : « الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » . إذ يبتعدون عن الزوجة والأولاد والأهل والبيت والأحباب والأصدقاء وكل شيء عزيز عليهم ، لكنّهم يصبرون برغم الفراق يذوقون مرارة الغربة والتهجير عن أوطانهم ويصبرون . وإذ أمعنا النظر وفكّرنا جيداً رأينا أنّ الصبر والتوكل هما أساس جميع الفضائل الإنسانية ، فالصبر هو عامل الاستقامة أمام العوائق والمشاكل ، والتوكل هو الهدف والباعث على الحركة في هذا الطريق المديد الملتوي . وفي آخر آية - من الآيات محل البحث - جواب لُاولئك الذين كان لسان حالهم أو لسان مقالهم يقول إذا خرجنا عن ديارنا وأهلينا ، فمن سيطعمنا ويرزقنا ؟ يخاطبهم القرآن أن لا تحزنوا على الرزق ولا تحملوا ثقل الذلة والأسر ، فالرازق هو اللَّه ، لا لكم فحسب بل : « وَكَأَيّن مِّن دَابَّةٍ لَاتَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ » .
هامش
( 1 ) « لنبوئنّهم » : من مادة « تبوئة » ، معناها إعطاء السكنى للإقامة والبقاء الدائم .
مختصر الامثل — صفحة 557 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي