تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
وحرمة ، وأموراً اخر لا تتمتع بها أية بلدة أخرى في الأرض . لكن‌لاتتصوروا أنّ هذه‌البلدة وحدها للَّه ، بل‌له كل‌شي فيعالم‌الوجود « وَلَه‌ُكُل‌ُّشَىْءٍ » . والأمر الثانيالذي أمرت به ، هو أن أسلم وجهي له « وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ » . وهكذا فإنّ الآية بيّنت وظيفتين أساسيتين على النبي وهما ( عبادة الواحد الأحد ، والتسليم المطلق لأمره ) . والآية التالية تبيّن أسباب الوصول إلى هذين الهدفين فتقول : « وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْءَانَ » . أتلوه فأستضيء بنوره ، وأنتهل من عذب معينه الذي يهب الحياة ، وأن أعول في جميع مناهجي على هديه . أجل ، فالقرآن وسيلتي للوصول إلى هذين الهدفين المقدسين ، والمواجهة لكل أنواع الشرك والانحراف والضلال ومكافحتها . ثم تعقب الآية لتحكي عن لسان الرسول وهو يخاطب قومه : لا تتصوروا أنّكم إذا آمنتم انتفعت من وراء ذلك لنفسي ، كما أنّ اللَّه غني عنكم ، بل : « فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ » . وكل ما يترتب على الهداية من منافع دنيوية ، كانت أم أخروية فهي عائدة للمهتدينفسه والعكس صحيح « وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ » . والأمر الأخير - في آخر آية من هذه السورة - موجه للنبي أن يحمد اللَّه على هذه النعم الكبرى ، ولا سيما نعمة الهداية فيقول : « وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ » . هذا الحمد أو الثناء يعود لنعمة القرآن ، كما يعود للهداية أيضاً ، ويمكن أن يكون مقدمة للجملة التالية : « سَيُرِيكُمْ ءَايتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا » . وهذا التعبير إشارة إلى أنّه مع مرور الزمان وتقدم العلم والمعرفة ، سينكشف كل يوم بعض أسرار عالم الوجود ، ويرفع ستار جديد عنها . . وستعرفون نعم اللَّه وعظمة قدرته وعمق حكمته يوماً بعد يوم . . وإراءة الآيات هذه مستمرة دائماً ولا تنقطع مدى عمر البشر . إلّا أنّكم إذا واصلتم طريق الخلاف والانحراف ، فلن يترككم اللَّه سدى « وَمَا رَبُّكَ بِغفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » . ولا تتصوروا بأنّ اللَّه إذا أخر عقابكم بلطفه ، فهو غير مطلع على أعمالكم ، وأنّها لا تسجل في اللوح المحفوظ . وجملة « وَمَا رَبُّكَ بِغفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » الواردة بنفسها أو مع شيء من التفاوت اليسير في تسع آيات من القرآن جملة موجزة ، وهي تهديد ذو معنى عميق ، وإنذار لجميع الناس . « نهاية تفسير سورة النمل »