تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
دعوه بالشاعر المجنون ، كما جاء في الآية ( 36 ) من سورة الصافات : « وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ » . فالقرآن يردهم هنا ببيان بليغ منطقي ، بأنّ منهج النبي يختلف عن منهج الشعراء ؛ فالشعراء يتحركون في عالم من الخيال ، وهو يتحرك على أرض الواقع والواقعيات ، لتنظيم العالم الإنساني . والشعراء يبحثون عن العيش واللذة والغزل ( كما هي الحال بالنسبة لشعراء ذلك العصر في الحجاز خاصة حيث يظهر ذلك من أشعارهم بوضوح ) . ولذا فإنّ أتباعهم هم الضالون : « وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ » . ثم يضيف القرآن على الجملة آنفة الذكر معقّباً : « أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ » . فهم غارقون في أخيلتهم وتشبيهاتهم الشعرية ، حتى أنّ القوافي تجرهم إلى هذا الاتجاه أو ذاك ، ويهيمون معها في كل واد . ومتى سخطوا على أحد هجوه هجواً مراً وأنزلوه في شعرهم إلى أسفل السافلين ، وإن كان موجوداً سماوياً . ثم إنّ الشعراء عادةً هم رجال خطابة وجماهير لا أبطال قتال ، وكذلك أصحاب أقوال لا أعمال ، لذلك فإنّ الآية التالية تضيف فتقول عنهم : « وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَايَفْعَلُونَ » . غير أنّ النبي الكريم صلى الله عليه وآله رجل عمل من قرنه إلى قدمه ، وقد اعترف بعزمه الراسخ واستقامته العجيبة حتى أعداؤه ، فأين الشاعر من النبي صلى الله عليه وآله . ولما كان بين الشعراء أناس مخلصون هادفون وأهل أعمال لا أقوال ، ودعاة نحو الحق والصدق « وإن كان مثل هؤلاء الشعراء قليلًا يومئذ » . فالقرآن من أجل أن لا يضيع حق هؤلاء الشعراء المؤمنين المخلصين الصادقين ، استثناهم عن بقية الشعراء ، فقال عنهم : « إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ » . هؤلاء المستثنون من الشعراء لم يكن هدفهم الشعر فحسب ، بل يهدفون في شعرهم أهدافاً الهية وإنسانية ، ولا يغرقون في الأشعار فيغفلون عن ذكر اللَّه ، بل كما يقول القرآن : « وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا » . وأشعارهم تذكر الناس باللَّه أيضاً . . . وإذا ما ظُلموا كان شعرهم انتصاراً للحق « وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا » .