تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
فاللَّه تعالى يواصل هذه الرحمة والنعمة والعقوبات ، والمشركون يواصلون طغيانهم وعنادهم : « حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ » « 1 » . الواقع ، أنّ نوعين من العقاب الإلهي : أوّلهما « عقاب الابتلاء » ، وثانيهما « عقاب الإستيصال » والإقتلاع من الجذور ، والهدف من العقاب الأوّل وضع الناس في صعوبات وآلام ليدركوا مدى ضعفهم وليتركوا مركب الغرور . أمّا هدف العقاب الثاني الذي ينزل بالمعاندين المستكبرين فهو إزالتهم عن مجرى الحياة ، وتطهيرها من عراقيلهم . ثم تناول القرآن المجيد القضية من باب آخر ، فعدّد النعم الإلهية لدفع الناس إلى الشكر : « وَهُوَ الَّذِى أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصرَ وَالْأَفِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ » . والتأكيد على ( الاذن والعين والعقل ) لأنّها الأجهزة التي بها يتعرف الإنسان على المحسوسات والقضايا ، فالأشياء الحسيّة يبلغها بالعين والاذن ، والقضايا غير الحسية يدركها بالعقل . وتناولت الآية اللاحقة خلق اللَّه سبحانه للإنسان من التراب ، فتقول : « وَهُوَ الَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى الْأَرْضِ » « 2 » . وبما أنّه - جلّ اسمه - خلقكم من الأرض ، لذلك ستعودون إليها مرّة ثانية ، ثم يبعثكم : « وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » . ولو فكّرتم في خلقكم من تراب لا قيمة له ، لدلّكم على خالق الوجود سبحانه ، وعرّفكم على كريم لطفه بكم وإحسانه إليكم ، وقادكم إلى الإيمان به وبالمعاد . وبعد ذكر خلق الإنسان ، تناولت الآية المذكورة آنفاً دلائل أخرى من بديع صنع اللَّه تعالى « وَهُوَ الَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلفُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ » . وبهذا الترتيب بدأ البيان القرآني من الدافع لإستيقاظ القلب وإنبعاثه على معرفة ربّه سبحانه وانتهى بذكر بعض أهمّ الآيات الأنفسية والآفاقية .
هامش
( 1 ) « المبلس » : كلمة مشتقة من « الإبلاس » بمعنى الألم الشديد الناتج عن شدّة أثر الحادثة ، وتدفع بالإنسان إلى الصمت والحيرة واليأس . ( 2 ) « ذرأ » : مشتقة من الذرء ( على وزن زرع ) ، وهي في الأصل بمعنى الخلق والإيجاد والإظهار .