تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
وفي المرحلة الثالثة تقول الآية : « أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ » . أي : إذا كانت هذه الدعوة صادرة من شخص مجهول ومشكوك ، فيحتمل أن يقولوا بأنّ كلامه حق ، إلّاأنّ هذا الرجل مشكوك وغير معروف لدينا ، فيحتمل أن نُخدع بكلامه ، ولكنّهم يعرفون ماضيك جيّداً ، وكانوا يدعونك محمّداً الأمين ، ويعترفون بعقلك وعلمك وأمانك ، ويعرفون جيّداً والديك وقبيلتك ، فلا حجة لهم . وفي المرحلة الرابعة تقول الآية : « أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ » . أي إنّه مجنون ، فبعد اعترافهم بأنّك لست مجهولًا بالنسبة لهم ، إلّاأنّهم يشكّكون في سلامة عقلك وينسبونك إلى الجنون ، لأنّ ما تدعو إليه لا ينسجم مع عقائدهم ، فلذلك اتّخذوا هذا دليلًا على جنونك . يقول القرآن المجيد لنفي هذه الحجة : « بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقّ » . وكلامه شاهد على هذه الحقيقة ، ويضيف : « وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقّ كرِهُونَ » . أجل ، إنّ كلمات الرسول راشدة حكيمة ، إلّاأنّهم ينكرونها لعدم إنسجامها مع أهوائهم النفسية ، فألصقوا به تهمة الجنون في الوقت الذي لا ضرورة في توافق الحق مع رغبات الناس : « وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّموَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ » . لأنّه لا يوجد مقياس يحدّد أهواء الناس ، مضافاً إلى أنّها تميل إلى الشر والفساد غالباً . وتأكيداً لذلك تقول الآية : « بَلْ أَتَيْنهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ » . أي : منحناهم القرآن الذي هو أساس للذكر والتوجه إلى اللَّه ، وسبب لرفعتهم وشرفهم ، إلّاأنّهم أعرضوا عن هذا المنار الذي يُضيء لهم درب السعادة والشرف . وفي المرحلة الخامسة تقول الآية : هل أنّ عذرهم في فرارهم من الحق هو أنّك تريد منهم أجراً على دعوتك : « أَمْ تَسَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ » . والقرآن الكريم بإيضاحه هذه المراحل الخمس برهن على أنّ هؤلاء الحمقى ( المشركين ) لا يرضخون للحق ، وأنّ أعذارهم في إنكار الحق أعذار واهية . وجاءت الآية التالية باستنتاج عام لكل ما مضى : « وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ » . ورغم أنّ الروايات الإسلامية تفسّر الصراط المستقيم بولاية علي عليه السلام ، إلّاأنّها تكشف عن المصداق الأكمل لذلك ، ولا تتنافي مع المصاديق الأخرى كالقرآن والإيمان بالمبدأ والمعاد والتقوى والجهاد والعدل .