تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
فتجيب أوّل آية - من الآيات موضع البحث - عن ذلك فتقول : « وَلَا نُكَلّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا » . وكل إنسان يكلّف حسب عقله وطاقته . وهذه إشارة إلى أنّ الواجبات الشرعية هي في حدود طاقة الإنسان ، وأنّها تسقط عنه إذا تجاوزت هذه الحدود ، وكما يقول علماء أصول الفقه : إنّ هذه القاعدة حاكمة على جميع الواجبات الشرعية ومقدمة عليها . وقد يُسأل : كيف يُحاسب كل البشر على أعمالهم كلّها صغيرها وكبيرها ؟ فتجيب الآية : « وَلَدَيْنَا كِتبٌ يَنطِقُ بِالْحَقّ وَهُمْ لَايُظْلَمُونَ » . فهناك صحيفة أعمال الإنسان المحفوظة لدى اللَّه العلي القدير . ولكون هذه الحقائق مؤثّرة في الواعين من الناس فحسب ، أضافت الآية التالية بأنّ هؤلاء الكفار المعاندين غارقون في دوّامة الجهل والغفلة لدرجة أنّهم غافلون عما ينتظرهم من الوعيد : « بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مّنْ هذَا » . وتضيف هذه الآية : « وَلَهُمْ أَعْملٌ مِّن دُونِ ذلِكَ هُمْ لَهَا عمِلُونَ » . المهمّ هو الانتباه إلى أنّ مصدر الأعمال الشريرة يكمن في إنغمار القلوب في الجهالة . ولكن هؤلاء المترفين يبقون في هذه الغفلة ما داموا في نعيمهم ، فإذا جاءهم العذاب فهم يصرخون كالوحوش من شدة العذاب الإلهي ، كما تقول الآية : « حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجَرُونَ » . فيخاطبون : « لَاتَجَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَاتُنصَرُونَ » . وتكشف الآية التالية عن سبب هذا المصير المشؤوم : « قَدْ كَانَتْ ءَايتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقبِكُمْ تَنكِصُونَ » . بدلًا من الاستفادة منها والانتباه للواقع . « تنكصون » : مشتقة من النكوص ، بمعنى السير بشكل معاكس . « أعقاب » : جمع « عقب » على وزن « فَعِل » وتعني عقب القدم . وهذه الجملة كناية عن شخص يسمع كلاماً غير مرغوب فيه ، فيرتعب لدرجة يسير فيها القهقرى على عقبي قدميه . ثم إنّه لا يرجع إلى الوراء لمجرد سماعه آيات اللَّه ، وإنّما يصبح ممن وصفتهم الآية : « مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ » . وإضافةً إلى ذلك : « سمِرًا تَهْجُرُونَ » . أي يتسامرون في لياليهم ويتحدثون عن النبي والقرآن بالباطل .
مختصر الامثل — صفحة 331 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي