تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
عباده ويجيب على أسئلتهم ، فهل يمكن أن يكون سماع خوار العجل من هذا الجسد الذهبي لوحده ، دليلًا على جواز عبادة العجل ، وصحّة تلك العبادة ؟ ولا شك أنّ هارون ، خليفة موسى ونبي اللَّه الكبير ، لم يرفع يده عن رسالته في هذا الصخب والغوغاء ، وأدّى واجبه في محاربة الانحراف والفساد قدر ما يستطيع ، كما يقول القرآن : « وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هرُونُ مِن قَبْلُ يقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ » ثم أضاف : « وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ » . لقد كنتم عبيداً فحرّركم ، وكنتم أسرى فأطلقكم ، وكنتم ضالين فهداكم ، وكنتم متفرقين مبعثرين فجمعكم ووحّدكم تحت راية رجل رباني ، وكنتم جاهلين فألقى عليكم نور العلم وهداكم إلى صراط التوحيد المستقيم ، فالآن « فَاتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوا أَمْرِى » . أنسيتم أنّ أخي موسى قد نصّبني خليفة له وفرض عليكم طاعتي ؟ فلماذا تنقضون الميثاق ؟ ولماذا ترمون بأنفسكم في هاوية الفناء ؟ إلّا أنّ بني إسرائيل تمسكّوا بهذا العجل عناداً ، ولم يؤثّر فيهم المنطق السليم القوي لهذا الرجل ، ولا أدلة هذا القائد الحريص ، وأعلنوا مخالفتهم بصراحة : « قَالُوا لَنْ نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى » . وبهذا لم يذعن بنو إسرائيل لأمر العقل ولا لأمر خليفة قائدهم وزعيمهم أيضاً . ولكن إفترق عنهم هارون مع القلة من المؤمنين الثابتين ، والذين كان عددهم قرابة اثني عشر ألفاً ، في حين أنّ الأغلبية الجاهلة كادوا أن يقتلوه . قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ( 92 ) أَنْ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ( 93 ) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ( 94 ) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ( 95 ) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ( 96 ) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ( 97 ) إِنَّمَا إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ( 98 )
مختصر الامثل — صفحة 224 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي