تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
عاقبة أمر يوسف وأبيه وإخوته : مع وصول القافلة التي تحمل أعظم بشارة من مصر إلى كنعان ينبغي على أهل هذا البيت - وفقاً لوصية يوسف - أن يتحرّكوا ويتّجهوا نحو مصر ، وتهيأت مقدمات السفر من جميع النواحي ، وركب يعقوب راحلته وشفتاه رطبتان بذكر اللَّه وتمجيده . وهذا السفر كان خالياً من أيّة شائبة من شوائب الهمّ والغم . وحتى لو كان السفر بنفسه متعباً ، فهذا التعب لم يكن شيئاً ذا بال قِبال ما يهدفون إليه في مسيرهم هذا . كانوا يطوون الليالي والأيّام ببطء ، إلّاأنّ القرآن الكريم - كعادته دائماً - حذف هذه المقدمات التي يمكن أن تدرك بأدنى تفكر وتأمل ، فقال في هذا الشأن : « فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ ءَاوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ » . « آوى » : تعني في الأصل انضمام شيء إلى شيء آخر ، وضمّ يوسف أبويه إليه كناية عن إحتضانهما ومعانقتهما . وأخيراً تحقّقت أحلى سويعات الحياة ليعقوب ، وفي هذا اللقاء والوصال الذي تم بين يعقوب ويوسف بعد سنين من الفراق ، مرّت على يعقوب ويوسف لحظات لا يعلم إلّااللَّه عواطفها في تلك اللحظات الحلوة ، وأيّة دموع إنسكبت من عينيهما من الفرح . وعندها التفت يوسف إلى إخوته وأبويه « وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ » لأنّ مصر أصبحت تحت حكم يوسف في أمن وأمان واطمئنان . ويُستشفّ من هذه الجملة أنّ يوسف كان قد خرج إلى خارج بوّابة المدينة لإستقبال والديه وإخوته ، ولعل التعبير ب « دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ » يحتمل أن يكون يوسف قد أمر أن تنصب الخيام هناك « خارج المدينة » وأن تُهيأ مقدّمات الاستقبال لأبويه وإخوته . فلمّا دخلوا القصر أكرمهم يوسف « وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ » . وكانت هذه العظمة من النعمة الإلهية واللطف والموهبة التي منّ اللَّه بها على يوسف قد أدهشت إخوة يوسف وأبويه فذهلوا جميعاً « وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا » . وعندها التفت يوسف عليه السلام إلى أبيه « وَقَالَ يَا أَبَتِ هذَا تَأْوِيلُ رُءْيىَ مِن قَبْلُ » . ألم يقل أنّي رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ؟ ! فانظر يا أبت كما كنت تتوقّع من عاقبة أمري « قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقًّا * وَقَدْ أَحْسَنَ بِى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السّجْنِ » .