تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ( 94 ) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ( 95 ) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( 96 ) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ( 97 ) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 98 ) على العدو وكسر شوكته لابدّ أن لا ننسى العفو والرحمة ، وأن لا نعامله بقساوة . كما أنّنا نرى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حينما فتح مكّة وأذلّ المشركين وهزمهم وكسر أصنامهم وداس شوكتهم وكبرياءهم ، جاء رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى جوار الكعبة وأخذ بحلقة بابها وكان المشركون قد إلتجؤوا إليها ، قال : « وأنا أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم » . أي : إنّ اليوم ليس يوم ملامة وإنتقام وإظهار الحقد والضغينة « اذهبوا فأنتم الطلقاء » . وأخيراً شملتهم رعاية اللَّه ولطفه : أمّا أولاد يعقوب فإنّهم بعد أن واجهوا يوسف وجرى لهم ما جرى حملوا معهم قميص يوسف فرحين ومستبشرين وتوجّهوا مع القوافل القادمة من مصر ، لكن - مقارناً مع حركة القافلة من مصر - حدث في بيت يعقوب حادث غريب بحيث أذهل الجميع وصار مثاراً للعجب والحيرة ، حيث نشط يعقوب وتحرّك من مكانه وتحدّث كالمطمئن والواثق بكلامه قال : لو لم تتحدّثوا عنّي بسوء ولم تنسبوا كلامي إلى السفاهة والجهل والكذب لقلت لكم : « إِنّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ » . فإنّي أحسّ بأنّ أيّام المحنة والآلام سوف تنصرم في القريب العاجل ، وأنّه قد حان وقت النصر واللقاء مع الحبيب ، وأرى أنّ آل يعقوب قد نزعوا ثوب العزاء والمصيبة ولبسوا لباس الفرح والسرور لكن لا تصدّقون كلامي « وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنّى لَاجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ » . أمّا الذين كانوا مع يعقوب - وهم عادةً أحفاده وأزواج أولاده وغيرهم من الأهل والعشيرة - فقد استولى عليهم العجب وخاطبوه بوقاحة مستنكرين : « قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَللِكَ الْقَدِيمِ » . أليس هذا برهاناً واضحاً على ضلالك حيث مضت سنين طويلة على موت يوسف لكنّك لا زلت تزعم أنّه حي ، وأخيراً تقول : إنّك تشمّ رائحته من مصر ؟ ! أين مصر وأين الشام وكنعان ؟ ! وهذا دليل على بعدك عن عالم الواقع وإنغماسك في الأوهام