تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
عن جريمتهم أم لا ؟ فابتدأوا مستفسرين بقولهم : « قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا » « 1 » . أي : إنّ اللَّه سبحانه وتعالى قد فضّلك علينا بالعلم والحلم والحكومة « وَإِن كُنَّا لَخَاطِينَ » . أمّا يوسف الذي كانت نفسه تأبى أن يرى إخوته في حال الخجل والندامة - خاصه في هذه اللحظات الحساسة وبعد انتصاره عليهم ، فخاطبهم بقوله : « قَالَ لَاتَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ » « 2 » . أي : إنّ العتاب والعقاب مرفوع عنكم اليوم ، اطمئنوا وكونوا مرتاحي الضمير ولا تجعلوا للآلام والمصائب السابقة منفذاً إلى نفوسكم ، ثم لكي يبيّن لهم أنّه ليس وحده الذي أسقط حقّه وعفا عنهم ، بل إنّ اللَّه سبحانه وتعالى أيضاً عفا عنهم حينما أظهروا الندامة والخجل قال لهم : « يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » . أي : إنّ اللَّه سبحانه وتعالى قد قبل توبتكم وعفا عنكم لأنّه أرحم الراحمين . وهذا دليل على علو قدر يوسف وغاية فضله حيث إنّه لم يعف عن سيّئات إخوته فحسب ، بل طمأنهم على أنّ اللَّه سبحانه وتعالى رحيم غفور وأنّه تعالى سوف يعفو عن سيئاتهم ، وإستدلّ لهم على ذلك بأنّ اللَّه سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين . وهنا تذكّر الإخوة مصيبة أخرى قد ألمّت بعائلتهم والشاهد الحي على ما إقترفوه في حقّ أخيهم ، ألا وهو أبوهم حيث فقد الشيخ الكبير بصره حزناً وفراقاً على يوسف ، أمّا يوسف فإنّه قد وجد لهذه المشكلة حلًا حيث خاطبهم بقوله : « اذْهَبُوا بِقَمِيصِى هذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا » . ثمّ طلب منهم أن يجمعوا العائلة ويأتوا بهم جميعاً « وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ » . ورد في بعض الروايات أنّ يوسف قال : إنّ الذي يحمل قميصي المشافي إلى أبي لابدّ وأن يكون هو نفسه الذي حمل قميصي الملطّخ بالدماء إليه ، فأعطى ل ( يهودا ) قميصه بعد أن اعترف له أنّه هو الذي حمل قميصه الملطّخ بالدماء إلى أبيه وأخبره بأنّ الذئب قد أكل يوسف . إنّ الآيات السابقة تعلّمنا درساً من دروس الأخلاق الإسلامية ، وهو أنّه بعد الإنتصار
هامش
( 1 ) « آثرك » : أصله من « الإيثار » وفي الأصل بمعنى البحث عن أثر الشيء ، وبما أنّه يقال للفضل والخير : أثر ، فقد استعملت هذه الكلمة للدلالة على الفضيلة والعلو . ( 2 ) « تثريب » : أصله من مادّة « ثرب 9 وهو شحمة رقيقة تغطّي المعدة والأمعاء ، والتثريب بمعنى رفع هذاالغطاء ، ثمّ بمعنى العتاب والملامة فكأنّ المعاقب قد رفع بعتابه غطاء الذنب عن وجه المذنب .
مختصر الامثل — صفحة 482 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي