تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
وأخيراً جمع الاخوة متاعهم وتوجّهوا صوب مصر ، وهذه هي المرة الثالثة التي يدخلون فيها أرض مصر ، هذه الأرض التي سبّبت لهم المشاكل وجرّت عليهم الويلات . لكن في هذه السفرة - خلافاً للسفرتين السابقتين - كانوا يشعرون بشيء من الخجل يعذّب ضمائرهم فإنّ سمعتهم عند أهل مصر أو العزيز ملوّثة للوصمة التي لصقت بهم في المرة السابقة ، ولعلّهم كانوا يرونهم بمثابة ( مجموعة من لصوص كنعان ) الذين جاؤوا للسرقة . إلّا أنّ الذي كان يبعث في نفوسهم الأمل ويعطيهم القدرة على تحمل الصعاب هو وصية أبيهم « لَا تَايَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ » . وأخيراً استطاعوا أن يقابلوا يوسف ، فخاطبوه - وهم في غاية الشدّة والألم - بقولهم : « فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ » . أي : إنّ القحط والغلاء والشدّة قد ألمّت بنا وبعائلتنا ولم نحمل معنا من كنعان إلّامتاعاً رخيصاً « وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ » « 1 » . لا قيمة لها ولكن - في كل الأحوال - نعتمد على ما تبذل لنا من كرمك ونأمل في معروفك « فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ » بمنّك الكريم وصدقاتك الوافرة « وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا » ولا تطلب منّا الأجر ، بل اطلبه من اللَّه سبحانه وتعالى حيث : « إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ » . والطريف أنّ إخوة يوسف لم ينفذوا وصيّة أبيهم في البحث عن إخوتهم أوّلًا ، بل حاولوا الحصول على الطعام ، ولأجل ذلك قابلوا العزيز وطلبوا منه المؤن والحبوب ، ولعل السبب في ذلك ضعف أملهم في العثور على يوسف ، أو لعلّهم أرادوا أن يظهروا أنفسهم أمام العزيز والمصريين وكأنّهم أناس جاؤوا لشراء الطعام والحبوب فقط ، ثمّ يطرحون مشكلتهم أمام العزيز ويطلبون منه المساعدة ، فعند ذاك يكون وقع الطلب أقوى واحتمال تنفيذه أكثر . ونقرأ في روايات وردت في هذا المقام ، أنّ الإخوة كانوا يحملون معهم رسالة من أبيهم إلى عزيز مصر ، حيث مدح يعقوب في تلك الرسالة عزيز مصر وأكبر عدالته وصلاحه وشكره على ما بذله له ولعائلته من الطعام والحبوب ، ثم عرّف نفسه والأنبياء من أهل بيته وأخبره برزاياه وما تحمله من المصائب والمصاعب من فقده أعزّ أولاده وأحبّهم إلى نفسه يوسف وأخيه بنيامين ، وما أصابهم من القحط والغلاء ، وفي ختام الرسالة طلب من العزيز أن يمنّ عليه ويطلق سراح ولده بنيامين ، وذكّره أنّ بنيامين سليل بيت النبوة والرسالة وأنّه
هامش
( 1 ) « البضاعة » : أصلها « البضع » على وزن جزء ، وهي بمعنى القطعة من اللحم المقطوعة من الجسم ، كما يطلق‌على جزء من المال الذي يقتطع منه ثمناً لشيء . « مزجاة » : من « الإزجاء » بمعنى الدفع ، وبما أنّ الشيء التافه والقليل الثمن يدفعه الآخذ عن نفسه ، اطلق عليه ( مزجاة ) .